معهد واشنطن: نزع سلاح "حزب الله" يتطلب رقابة دولية ودعمًا أميركيًا للبنان
رأى تقرير تحليلي أن نجاح الاتفاق الإطاري الثلاثي الموقع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان لن يعتمد فقط على البنود السياسية أو العسكرية التي يتضمنها، وإنما على قدرة الأطراف على إنشاء آلية فعالة للتحقق من تنفيذ الالتزامات، تتولى مراقبة نزع سلاح "حزب الله" ومنع إعادة تسليحه، مع توفير دعم سياسي وعسكري واقتصادي للبنان يضمن استعادة الدولة سلطتها على كامل أراضيها.
وأوضح التقرير، الصادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ضمن دراسة بعنوان "تفعيل الاتفاق الإطاري الثلاثي"، أن الاتفاق يمثل فرصة غير مسبوقة لإعادة صياغة الواقع الأمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، لكنه يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها رفض "حزب الله" وإيران لأي مسار يقود إلى تجريد الحزب من سلاحه.
وأشار التقرير إلى أن الاتفاق، الذي وقع في 26 يونيو 2026 بعد سلسلة اجتماعات استضافتها الولايات المتحدة، يهدف إلى إنهاء المواجهة بين إسرائيل ولبنان، وترسيخ سيادة الدولتين وإقامة علاقات جوار مستقرة، لكنه يستثني "حزب الله" وإيران من الأطراف الموقعة، رغم أنهما الطرفان الأكثر تأثيرًا في الصراع.
ويرى معدو التقرير أن هذا الاستبعاد يحمل دلالتين متناقضتين؛ فمن جهة يؤكد أن الاتفاق يركز على العلاقة بين الدول وليس التنظيمات المسلحة، لكنه من جهة أخرى يجعل تنفيذه أكثر تعقيدًا، لأن الطرف الرئيسي الذي يمتلك السلاح أعلن رفضه الاتفاق منذ اللحظة الأولى، فيما لا تبدي طهران استعدادًا للتخلي عن أحد أبرز أدوات نفوذها الإقليمي.
التحدي الحقيقي
وبحسب التقرير، فإن التحدي الأكبر لا يتمثل في توقيع الاتفاق، بل في تنفيذه على الأرض، إذ ينص على عملية متدرجة تبدأ بإزالة البنية العسكرية التابعة لـ"حزب الله"، ثم انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يتم التحقق من خلوها من السلاح، يعقبها انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
ويرى التقرير أن نجاح هذه العملية يتطلب وجود نظام رقابة مستقل وذي مصداقية، لأن التجارب السابقة، ولا سيما اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024، أظهرت أن غياب آليات تحقق فعالة سمح للحزب بإعادة تنظيم صفوفه واستعادة جزء من قدراته العسكرية.
ويشير التقرير إلى أن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة دورًا يتجاوز الوساطة السياسية، إذ تصبح شريكًا مباشرًا في متابعة التنفيذ والتحقق من الالتزام ببنوده، بما يشمل مراقبة عمليات نزع السلاح، ودعم المؤسسات اللبنانية، والمشاركة في الحد من مصادر تمويل الجماعات المسلحة.
دور أميركي أوسع
ويؤكد التقرير أن الولايات المتحدة مطالبة بقيادة آلية دولية للتحقق من تنفيذ الاتفاق، بدلاً من الاكتفاء بدور المراقب السياسي، مستفيدًا من نماذج أمريكية سابقة في شبه جزيرة سيناء، حيث تولت قوات مراقبة متعددة الجنسيات، بدعم أمريكي، متابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية بين مصر وإسرائيل.
لكن التقرير يشدد على أن الحالة اللبنانية تختلف عن سيناء، لأن المهمة لا تقتصر على مراقبة التزام طرفين حكوميين، بل تشمل التحقق من تفكيك تنظيم مسلح يمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة وشبكة واسعة من الأنفاق والمخازن ومراكز القيادة.
ولذلك يدعو إلى إنشاء منظومة تحقق تعتمد على المعلومات الاستخباراتية والاستطلاع والمراقبة الجوية والإلكترونية، مع قدرة على التحقق الميداني من إزالة الأسلحة والبنية التحتية العسكرية ومنع إعادة بنائها.
إصلاح أداء الجيش اللبناني
ويرى التقرير أن الجيش اللبناني سيكون الطرف الرئيسي المسؤول عن فرض سلطة الدولة في الجنوب، لكنه يحتاج إلى إصلاحات ودعم واسع حتى يتمكن من أداء هذا الدور.
ويشير إلى أن تجربة تنفيذ وقف إطلاق النار في عام 2024 أظهرت أن الجيش ركز على الانتشار وتسيير الدوريات أكثر من تركيزه على مصادرة أسلحة "حزب الله" أو تفكيك منشآته العسكرية، وهو ما سمح للحزب بإعادة بناء جزء من قدراته خلال فترة قصيرة.
ولهذا يدعو التقرير إلى اعتماد مؤشرات أداء جديدة، تقيس النتائج الفعلية مثل عدد مخازن الأسلحة التي تمت مصادرتها، والأنفاق التي جرى تدميرها، وشبكات التهريب التي تم تفكيكها، بدلاً من الاكتفاء بقياس عدد الدوريات أو نقاط التفتيش.
كما يشدد على ضرورة إخضاع الوحدات العسكرية المنتشرة في الجنوب لعمليات تدقيق أمني، لضمان عدم تعرضها لاختراق من جانب "حزب الله"، وربط أي مساعدات أمريكية مستقبلية بتحقيق نتائج قابلة للتحقق وشفافية كاملة في تنفيذ الالتزامات.
الأسلحة والأنفاق والتهريب
ويعتبر التقرير أن نزع سلاح "حزب الله" لا يقتصر على جمع الأسلحة الظاهرة، بل يشمل تفكيك منظومة عسكرية معقدة تمتد إلى الأنفاق ومراكز القيادة والمخازن السرية داخل المناطق السكنية.
ويشير إلى أن تقارير عديدة وثقت استخدام الحزب منازل مدنية لتخزين الأسلحة والذخائر، إضافة إلى شبكة واسعة من الأنفاق والتحصينات تحت الأرض، وهو ما يجعل عمليات التفتيش والتحقق أكثر تعقيدًا.
كما يلفت إلى أن استمرار تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية أو من خلال المرافئ اللبنانية يمثل أحد أبرز التحديات أمام أي اتفاق، داعيًا إلى تشديد الرقابة على المنافذ البرية والبحرية، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي لمنع وصول الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام المزدوج.
تجفيف مصادر التمويل
ولا يقتصر الاهتمام، وفق التقرير، على الجانب العسكري، إذ يخصص مساحة واسعة للحديث عن ضرورة تجفيف مصادر تمويل "حزب الله"، باعتبار أن استمرار التمويل سيمنح الحزب القدرة على إعادة بناء قدراته حتى في حال فقد جزءًا من ترسانته.
ويقترح التقرير اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد المؤسسات المالية وشركات الصرافة التي يشتبه في استخدامها لتحويل الأموال إلى الحزب، إلى جانب تشديد الرقابة على الاقتصاد النقدي والعملات الرقمية التي يمكن استخدامها للالتفاف على العقوبات.
كما يدعو إلى ضمان عدم وصول أموال إعادة إعمار المناطق المتضررة إلى مؤسسات أو شركات مرتبطة بالحزب، مع وضع آليات رقابة مالية دولية تضمن توجيه هذه الأموال عبر مؤسسات الدولة اللبنانية فقط.
فرصة مشروطة
ويخلص التقرير إلى أن الاتفاق يمنح لبنان فرصة لاستعادة سيادته الكاملة وتعزيز مؤسسات الدولة وفتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار، لكنه يحذر من أن هذه الفرصة ستظل رهينة بقدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، واستمرار الدعم الأمريكي والدولي.
ويرى أن نجاح الاتفاق لن يتحقق بمجرد انسحاب القوات الإسرائيلية أو انتشار الجيش اللبناني، وإنما من خلال ضمان عدم عودة "حزب الله" إلى المناطق التي يتم إخلاؤها، ومنع إعادة بناء بنيته العسكرية أو استعادة مصادر تمويله.
ويختتم التقرير بالتأكيد أن الطريق لا يزال طويلًا ومعقدًا، وأن معارضة "حزب الله" وإيران للاتفاق تجعل تنفيذه اختبارًا حقيقيًا لإرادة الدولة اللبنانية وشركائها الدوليين. ومع ذلك، يعتبر أن وجود التزام أمريكي مباشر بقيادة جهود التحقق، إلى جانب مساهمة الحلفاء الغربيين والعرب في توفير الدعم العسكري والاستخباراتي والمالي، قد يمنح الاتفاق فرصة واقعية لتحقيق أهدافه، إذا اقترن ذلك بآليات تنفيذ صارمة ومراقبة مستمرة تمنع تكرار إخفاقات الاتفاقات السابقة.