تقرير أميركي: هل ينجح الجيش اللبناني في تقليص نفوذ حزب الله عبر "المناطق التجريبية"؟
نواف سلام يضع علم لبنان في إحدى البلدات جنوب لبنان. (الإنترنت)
مع اقتراب انطلاق الجولة الثانية من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية في روما، تتجه الأنظار إلى تجربة “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان، التي تُطرح باعتبارها نموذجًا لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها تدريجيًا في المناطق الحدودية.
وبينما يركز جانب من المفاوضات على تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، يرى تقرير أميركي أن نجاح هذه التجربة قد يشكل نقطة تحول في مسار تقليص نفوذ حزب الله، ليس عبر المواجهة العسكرية المباشرة، وإنما من خلال تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها في الجنوب.
وبحسب تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن جولة روما، المقررة بين 4 و6 أغسطس، تأتي في ظل معطيات متباينة. فمن جهة، يشهد تنفيذ أولى «المناطق التجريبية» تقدمًا ملحوظًا مع انتشار الجيش اللبناني في عدد من البلدات الجنوبية، ومن جهة أخرى، لا تزال إسرائيل تتمسك بعدم بحث أي انسحاب إضافي قبل اتخاذ خطوات ملموسة تجاه نزع سلاح حزب الله، في وقت تتزايد فيه مخاطر عودة التصعيد العسكري على الحدود.
ما هي "المناطق التجريبية"؟
يوضح التقرير أن هذه المناطق تقوم على آلية تدريجية، يتم بموجبها انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة، مقابل انتشار الجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية الكاملة، مع منع أي وجود مسلح لحزب الله داخل تلك المناطق.
وتشمل المرحلة الأولى بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا، حيث بدأ الجيش اللبناني تنفيذ مهام إزالة مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، وتأمين المناطق، وحصر الأسلحة، إضافة إلى تسهيل عودة السكان بعد أشهر من النزوح، وهي خطوات يعتبرها التقرير اختبارًا عمليًا لقدرة مؤسسات الدولة على ملء الفراغ الأمني والإداري.
الدولة في مواجهة نفوذ حزب الله
ويرى التقرير أن نجاح التجربة لا يرتبط فقط بانتشار الجيش، بل بقدرة الدولة اللبنانية على تقديم نموذج مختلف للسكان المحليين، يقوم على الأمن والخدمات وإعادة الإعمار، بما يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويحد تدريجيًا من اعتمادهم على حزب الله.
ويؤكد أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في نزع السلاح وحده، بل في استعادة الدولة لدورها الذي تراجع في جنوب لبنان منذ عقود، معتبرًا أن غياب مؤسسات الدولة كان أحد أبرز العوامل التي سمحت بتعاظم نفوذ حزب الله وترسيخ حضوره في المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن الحكومة اللبنانية مطالبة بأن ترافق انتشار الجيش بخطة متكاملة تشمل إعادة الخدمات الأساسية، وإصلاح البنية التحتية، وتوفير الدعم الاجتماعي والاقتصادي، حتى يشعر السكان بأن عودة الدولة تحمل فوائد ملموسة تتجاوز الشعارات السياسية.
الأمن والخدمات.. مساران متوازيان
ويحذر التقرير من التعامل مع ملف حزب الله باعتباره قضية أمنية فقط، موضحًا أن بناء سلطة الدولة وتقليص نفوذ الحزب ينبغي أن يسيرا بالتوازي، وليس بشكل متتابع.
فكلما عززت الدولة حضورها عبر مؤسساتها الأمنية والخدمية، تراجعت المبررات التي يستند إليها حزب الله لتبرير استمرار نفوذه، بحسب التقرير، الذي يعتبر أن استعادة ثقة المواطنين بالدولة تمثل أحد أهم عناصر إضعاف الحزب على المدى الطويل.
وفي المقابل، يشدد التقرير على أن الجيش اللبناني مطالب أيضًا بفرض سيطرة أمنية كاملة داخل المناطق التجريبية، ومنع عودة أي وجود مسلح، مع منح السلطات المختصة الصلاحيات القانونية اللازمة للتعامل مع مخازن الأسلحة أو المواقع العسكرية المحتملة، باعتبار أن نجاح التجربة يعتمد على توفير بيئة آمنة ومستقرة للسكان.
رهان يتجاوز المفاوضات
ويخلص تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن محادثات روما ليست مجرد مفاوضات حول وقف إطلاق النار أو ترتيبات أمنية مؤقتة، بل تمثل اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها في الجنوب بعد عقود من التراجع.
ويرى التقرير أن نجاح "المناطق التجريبية" قد يفتح الباب أمام توسيع التجربة إلى مناطق أخرى، بما يعزز سيادة الدولة ويقيد نفوذ حزب الله تدريجيًا، بينما قد يؤدي فشلها إلى إعادة إنتاج دوامة المواجهة بين إسرائيل والحزب، وتقويض أي فرصة لبناء استقرار دائم في جنوب لبنان.
وبحسب التقرير، فإن مستقبل هذه التجربة لن يتحدد فقط بما يخرج من طاولة المفاوضات في روما، وإنما بمدى قدرة الدولة اللبنانية، بدعم من شركائها الدوليين، على تحويل المناطق التي تستعيدها إلى نموذج للأمن والإعمار والخدمات، بما يرسخ شرعيتها ويعيد بناء الثقة بينها وبين سكان الجنوب.