التوازن الصعب بين جبهة الدفاع وجبهة الإغاثة.. الإمارات تواجه العدوان الإيراني وتتمسك بدعم غزة

بقلم: حميد قرمان

في توقيت سياسي وإقليمي بالغ التعقيد، حيث تتشابك خيوط الأزمات والحروب، وتتقاطع مصالح قوى دولية وإقليمية فوق الجغرافيا العربية؛ كنتيجة طبيعية لاستمرار تداعيات وارتدادات السابع من أكتوبر المشؤوم، تختار دولة الإمارات العربية المتحدة أن تكتب موقفها الإنساني بالخط العريض؛ موقفًا لا يقف عند حدود الإدانة الدبلوماسية خلف الأبواب المغلقة، بل يترجم نفسه فورًا إلى فعل لوجستي على مدرجات المطارات. فاستمرار إقلاع طائرة المساعدات الإماراتية الضخمة من مطار رأس الخيمة الدولي، محمّلةً بـ100 طن من المواد الإغاثية والطبية الاستراتيجية المتجهة إلى قطاع غزة المحاصر، ليس مجرد حدث إنساني عابر، بل هو "رسالة سياسية بامتياز" في ظل ما تتعرض له الدول العربية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، من اعتداءات عدوانية إرهابية إيرانية.

إن مواصلة الإمارات لهذا الجسر الجوي الإغاثي، وبتنسيق لوجستي عالي المستوى، تثبت أنها تضع القضية الإنسانية لغزة في مقدمة أولوياتها، متجاوزةً كل العقبات لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وسط انسداد أفق الحلول السياسية، وعجز المجتمع الدولي عن فرض ممرات آمنة تخدم المتطلبات الحياتية لأهل القطاع، في ظل تعنت حكومة بنيامين نتنياهو، واستمرار تمسك حركة حماس بسلاحها العبثي.

يقوم النهج الاستراتيجي لأبوظبي على دبلوماسية المبادرة التي ترفض الجمود في مواجهة الأزمة المتفاقمة، مكرسةً جهودها لحماية المواطن الفلسطيني، ودعم بقائه على أرضه كأولوية مطلقة.

والـ100 طن الأخيرة التي انطلقت من رأس الخيمة ليست مجرد شحنة تموينية، بل هي أداة سياسية ناعمة لكسر الحصار المفروض على الوعي الدولي، وإعادة تذكير القوى الفاعلة بأن غزة لا تحتاج إلى خطابات إنشائية غوغائية، بل إلى شريان حياة حقيقي يتدفق دون انقطاع.

في المقابل، من يقرأ المشهد من زاوية أوسع، يدرك أن الإمارات تدير ملف الدعم الإنساني لغزة بعقلية "مؤسسية سيادية" لا تخضع للابتزاز أو الاستقطاب الحزبي. ففي الوقت الذي تحاول فيه قوى إقليمية وتيارات مؤدلجة، وعلى رأسها تنظيمات الإسلام السياسي، كجماعة الإخوان المسلمين، استغلال المأساة الفلسطينية كورقة للمزايدة السياسية وتصفية الحسابات الإقليمية، تفكك أبوظبي هذه المقاربات المتاجرة بالقضية، وتقطع الطريق أمام استمرار سرقة ونهب المساعدات والتبرعات التي تُجمع من قبل هذه الجماعة وذراعها في فلسطين، حركة حماس، دون أن تصل إلى الشعب في غزة.

الإمارات تقدم نموذجًا للدولة الوطنية التي تنادي بها شعوب سئمت من الحالة المليشياوية التي سيطرت على مفاصل دولها؛ دولة من مهامها تقديم الدعم المباشر والمستدام (عبر المستشفيات الميدانية، ومحطات تحلية المياه، والجسر الجوي المتواصل، وإعادة الإعمار، وملفات الاستثمار)، كالتزام أخلاقي وتاريخي، بعيدًا عن الأجندات الحزبية والمليشياوية الضيقة التي لم تجلب للمنطقة سوى الدمار والخراب.

إن القضية الفلسطينية، في العقيدة السياسية الإماراتية، هي رسالة واضحة لكل من يراهن على تراجع الدور الإماراتي أو تبدّل أولوياته في ظل الحرب التي تشنها إيران وحرسها الثوري.

ومن رأس الخيمة إلى غزة، تمتد يد الإمارات الحقيقية التي تبني وتضمد جراح شعوب المنطقة، لتثبت الإمارات مجددًا أنها الرقم الصعب في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن إنسانيتها هي الوجه الحقيقي لسيادتها.

Next
Next

نائب رئيس مجلس النواب اللبناني إلياس بو صعب: لبنان يسير على الطريق الصحيح والتعافي قريب