بين السخرية والخوف على الحريات.. جدل في سوريا بعد “حظر المكياج” في اللاذقية
في خطوة أثارت سخرية وقلقاً واسعين، أصدر محافظ اللاذقية السورية محمد عثمان قراراً يقضي بمنع الموظفات في الإدارة العامة والحكومية من وضع المكياج أثناء ساعات الدوام الرسمي، مهدداً المخالفات بـ”المساءلة القانونية”.
القرار الذي أعلن عنه في وقت تواجه فيه سوريا أزمات اقتصادية وأمنية خانقة، سرعان ما تحول إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ومصدر تساؤلات حول الاتجاهات الاجتماعية والسياسية للحكومة، وفق جريدة “ذا نيويورك تايمز” الأميركية.
جاء هذا القرار في ظل حالة عامة من الترقب والتحسس تجاه مستقبل الحقوق والحريات في البلاد، في وقت تواصل فيه الحكومة المركزية الانتقال من مرحلة حكم الحرب الأهلية إلى إدارة ما بعد الصراع، في ظل سيطرة تشكيلات سابقة من المعارضة المسلحة وتحالفات جديدة داخل المؤسسات الرسمية.
السخرية أول رد فعل
تقارير محلية وأخرى على منصات التواصل كشفت عن ردود فعل تلقائية ساخرة، بعد ساعات قليلة من إعلان القرار. مستخدمون للسوشيال ميديا نشروا ميمات وصفوا فيها القرار بأنه “أكثر قسوة من القوانين”، وأنه قد يجعل النساء “غير مميزات عن الزملاء الذكور” بسبب عدم التمكن من وضع المكياج.
من بين السخرية، أطلقت مؤثرة سورية تدعى سلطانة فواز مقطع فيديو ساخراً قائلة إن القرار يأتي في توقيت تتعرض فيه النساء أيضاً لانقطاع في التيار الكهربائي، مما يقيد قدرتهن حتى على تصفيف الشعر. في الفيديو، تم تداول وجهة النظر بشكل هزلي، مؤكدين أن ما يحدث يمثل “مؤامرة” من قبل الحكومة لإجبار النساء على تغطية وجوههن وحتى رؤوسهن، في إشارة إلى مخاوف من توجهات اجتماعية أكثر تحفظاً.
وعلقت فواز ساخرة: “المكياج خط أحمر… الرجال يجب أن يخرجوا في مظاهرة وليس النساء”.
خوف وقلق من امتداد القرار
بعيداً عن الفكاهة، عبرت نساء أخريات عن قلقهن من أن يكون القرار مؤشراً على توجهات أوسع نحو فرض قيود اجتماعية أو دينية على المجتمع. سوريا، التي تعد موطناً لمجموعة من الأقليات الدينية والإثنية، كانت تاريخياً مجتمعاً متمايزاً في أنماط الحياة والثقافة. ويخشى البعض أن تكون هذه القرارات بداية لسياسات أكثر تقييداً للحريات العامة.
وقالت لينا إسماعيل، موظفة في قسم الصحة في لاذقية، إنها لم تصدق الخبر في البداية، وأضافت: “بصراحة كنا نظن أنه مزحة، لأننا لسنا معتادين على مثل هذه القرارات”.
وتابعت: “المكياج مسألة حرية شخصية، لكن في الوقت ذاته، هناك من يفضل وجود حدود لما يعتبره استخداماً مبالغاً فيه للمكياج خلال ساعات العمل”.
قرار مثير للانقسام
بينما انتقد كثيرون القرار باعتباره تدخلاً في حرية الفرد، رحب به البعض الآخر بوصفه محاولة “لتعزيز احترافية المظهر”. المحامية مارغريتا جمال وصفت القرار بأنه خطوة في اتجاه رفع مستوى المظهر الرسمي للموظفات، معتبرة أن بعض السيدات يتجهن إلى ارتداء ما وصفته بـ“زي الحفلات” إلى أماكن العمل، وهو ما يقلل من الانطباع المهني.
وقالت جمال: “المعايير المهنية في تراجع، ورؤية أشكال معينة من المكياج في مكان العمل قد تعطي انطباعاً غير مناسب”.
من جانبها، رفضت صحفية تعمل في التلفزيون الرسمي القرار، واعتبرته “اعتداء على الحرية الشخصية”. الصحفية، التي تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها خوفاً من تداعيات مهنية، قالت: “أنا أحياناً أرتدي مكياجاً للعمل، وأحياناً لا أفعل… القرار يفرض جهة معينة ما يجب أو لا يجب أن يكون عليه مظهر المرأة”.
تطبيق غير واضح
مرّ أسابيع على إعلان القرار، وأكد عدد من النساء أن الحظر لم يتم تطبيقه فعلياً على أرض الواقع حتى الآن. يبدو أن الجهات المعنية لم تحدد بعد الإجراءات أو العقوبات بوضوح تجاه المخالفات. وهو ما فتح باب النقاش حول مصداقية القرار وإمكانية تطبيقه فعلياً.
وبحسب المقابلات التي أجراها مراسل الصحيفة في دمشق ولاذقية، فإن بعض الموظفات لم يتلقين أية تعليمات تنفيذية من رؤسائهن بعد. والعديد منهن عبّرن عن اعتقادهن بأن القرار “لن يُطبق عملياً، وربما يصبح مادة نقاش فقط”.
رد الفعل الرسمي
ورداً على الضجة، قال مكتب المحافظ في بيان إن القرار “لا يهدف إلى تقييد أي مجموعة أو انتهاك الحريات الشخصية، بل هو تنظيم للمظهر المهني وتفادي الإفراط في استخدام المكياج داخل مؤسسات الدولة”.
وجاء في البيان: “حرية الأفراد مصونة بموجب الدستور، والقرار مجرد توجيه تنظيمي للمظهر في بيئة العمل
لكن البيان لم يوضح كيفية تنفيذ القرار، أو ما إذا كانت هناك عقوبات محددة بحق الموظفات اللواتي يخرقنه. كما لم يتم الإعلان عن معايير واضحة لما يعتبر “مكياجاً مفرطاً”.
خلفية سياسية حساسة
تأتي هذه الخطوة في ظل توترات داخلية بشأن الهوية السياسية والاجتماعية في سوريا بعد الحرب. وبعد عقود من النزاع المسلح الذي مزّق نسيج المجتمع، يحاول النظام إعادة بناء سلطته وسط تحالفات متغيرة، ضمنها دخول بعض التيارات الإسلامية ضمن مؤسسات الدولة.
يقول خبراء ومحللون إن مثل هذه القرارات، حتى لو كانت تبدو “صغيرة”، تُقرأ من قبل المجتمع عبر عدسة سياسية، خصوصاً في مجتمع يحافظ على تقاليده، لكنه أيضاً متشبع بتطلعات نحو الحرية بعد سنوات طويلة من الصراع.
وقد أثار قرار منفصل في إحدى ضواحي دمشق، ببن منع الرجال من العمل في محلات بيع نسائية، مزيداً من المخاوف لدى البعض بأن هناك ميل نحو سياسات اجتماعية أكثر تشدداً.
هل يمثل القرار مؤشراً لتغيير اجتماعي؟
المحامية والناشطة ديمة موسى قالت إن الدستور السوري يمنع التمييز على أساس الجنس، وإن مثل هذه القرارات تمثل “انتهاكاً للحريات الشخصية”، لكنها أضافت أن الخوف الأكبر هو في “السياق الذي تُتخذ فيه هذه القرارات أكثر من نص القرار نفسه”.
وأضافت: “لا يوجد دليل على أن الهدف هو جعل البلاد أكثر تديّناً، لكن عندما تُتخذ مثل هذه القرارات ضمن بيئة سياسية حساسة، فإن الناس ستقرأها من خلال مخاوفها التاريخية”.
وشددت موسى على أن ردود الفعل الشعبية، سواء كانت ساخرة أو معارضة، تُظهر “أن السوريين لا يقبلون تقييد الحريات، أو فرض قواعد ظاهرية على حياتهم الشخصية”.
في النهاية… غموض وتردد
بينما يعكس قرار الحظر محاولة لإعادة تعريف “المظهر المهني”، فإن ردود الفعل المتباينة تكشف عن مجتمع متوتر بين الرغبة في الاستقرار والانضباط، والخوف من تقييد الحريات.
ومع عدم وجود تطبيق فعلي واضح حتى الآن، يظل القرار موضوع نقاش أكثر من كونه واقعاً عملياً، في حين يستمر السوريون في مراقبة ما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام ضوابط اجتماعية أخرى في المستقبل.