مقاتلات الشبح الأميركية في إسرائيل تحسبًا لمواجهة إيران

في خطوة غير مسبوقة تعكس تصاعد التوتر الإقليمي، نشرت الولايات المتحدة مقاتلات الشبح المتطورة "إف 22 رابتور" في إسرائيل، في إطار استعدادات محتملة لمواجهة عسكرية مع إيران.

ويُعد هذا الانتشار الأول من نوعه الذي تُشغَّل فيه طائرات قتالية أميركية من قواعد إسرائيلية تحسبًا لمهمة ذات طابع حربي، ما يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة التعاون العسكري بين البلدين، وفق "وول ستريت جورنال".

التحرك الأميركي يأتي في ظل تهديدات متكررة بتوجيه ضربات للبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين إذا لم تُبدِ طهران مرونة في المفاوضات. وبحسب تقديرات عسكرية، فإن وجود المقاتلات في إسرائيل يمنح واشنطن مزيجًا من الردع والجاهزية العملياتية، إذ تتمتع هذه المقاتلة بقدرات تفوق جوي عالية وتقنيات تخفٍ متقدمة، إلى جانب قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ومرافقة القاذفات الاستراتيجية في المهام بعيدة المدى.

ولا يقتصر دور الطائرات على البعد الهجومي؛ فوجودها يعزز أيضًا منظومة الدفاع المشترك ضد أي رد إيراني محتمل، سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة. وتتمتع إسرائيل بشبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، ما يوفر مظلة حماية للأصول الجوية الأميركية عالية القيمة. ويرى خبراء عسكريون أن تمركز مقاتلات متقدمة في بيئة دفاعية قوية يقلل من المخاطر التشغيلية ويزيد من مرونة التخطيط لأي عملية واسعة النطاق.

الخطوة تعكس كذلك تحولات أعمق في بنية التحالفات الإقليمية منذ توقيع اتفاقيات إبراهيم عام 2020، والتي أسست لمرحلة جديدة من الانفتاح بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. وفي أعقاب تلك الاتفاقات، جرى نقل إسرائيل إداريًا من نطاق القيادة الأوروبية إلى القيادة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.

على مدى عقود، حرصت واشنطن على إبقاء مسافة شكلية بينها وبين إسرائيل في السياقات العملياتية، خصوصًا خلال حرب الخليج عام 1991، حين سعت الإدارة الأميركية إلى منع أي تدخل إسرائيلي مباشر خشية تفكك التحالف العربي آنذاك. لكن المشهد اليوم يبدو مختلفًا؛ فالتقارب العسكري بات أكثر علنية، والاعتبارات السياسية التي كانت تقيّد التعاون لم تعد بالثقل ذاته، خاصة بعد تبدل مواقف بعض العواصم العربية تجاه إسرائيل.

ويأتي نشر المقاتلات أيضًا في وقت تشير فيه تقارير إلى أن بعض الدول الخليجية لا ترغب في استخدام أجوائها أو قواعدها لشن هجوم على إيران، ما يحد من خيارات التموضع التقليدية أمام سلاح الجو الأميركي. وفي هذا السياق، توفر القواعد الإسرائيلية بديلًا عمليًا يسمح بتوزيع الطائرات على عدة مواقع بدل تركيزها في قواعد محدودة في الخليج أو الأردن، الأمر الذي يقلل من احتمالات استهدافها في ضربة استباقية.

عسكريًا، تمثل مقاتلات "إف 22" رأس حربة في أي سيناريو يتطلب تحييد الدفاعات الجوية المعادية وفرض التفوق الجوي في المراحل الأولى من النزاع. فهي قادرة على العمل في بيئات عالية التهديد، وجمع المعلومات الاستخبارية، وتوجيه ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية. كما يمكن استخدامها لاعتراض صواريخ كروز أو مسيّرات هجومية، وهي أدوات باتت تشكل عنصرًا أساسيًا في العقيدة العسكرية الإيرانية.

غير أن الخطوة الأميركية تحمل أيضًا أبعادًا سياسية واضحة. فهي رسالة ردع موجهة إلى طهران بأن واشنطن مستعدة لتصعيد وجودها العسكري إذا اقتضت الضرورة، وفي الوقت نفسه إشارة إلى التزامها بأمن إسرائيل في مواجهة أي تهديد مباشر. كما تضع إيران أمام معادلة أكثر تعقيدًا، إذ إن أي رد قد يستهدف قواعد تستضيف قوات أميركية بشكل مباشر، ما يرفع منسوب المخاطر الإقليمية.

في المقابل، يثير هذا الانتشار تساؤلات حول حدود الانخراط الأميركي في حال اندلاع مواجهة واسعة. فبينما يوفر التموضع الجديد مرونة عملياتية، فإنه قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع مباشر في حال توسعت رقعة الردود المتبادلة. وتبقى الحسابات السياسية في واشنطن، إلى جانب مواقف الحلفاء الإقليميين، عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان هذا الانتشار سيظل في إطار الردع أم سيتحول إلى منصة انطلاق لعمليات عسكرية فعلية.

في المحصلة، يعكس نشر مقاتلات الشبح الأميركية في إسرائيل مرحلة جديدة من إعادة رسم خريطة الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. وبين الردع والاستعداد الهجومي، تبقى الرسالة الأبرز أن ميزان القوة الجوية في أي مواجهة محتملة مع إيران بات أكثر تعقيدًا، وأن التعاون الأميركي–الإسرائيلي دخل طورًا عمليًا غير مسبوق، قد تكون له تداعيات استراتيجية تتجاوز حدود الأزمة الراهنة.

Next
Next

مخرج مسلسل القيصر: الهدف من العمل تعريف المجتمع العربي وليس السوري فقط بما جرى في سجون النظام السابق