مذكرات أنجيلا ميركل: «الحرية».. رسالة برلين إلى الإنسانية
بقلم: ميشيل سيروب
تصدرت أنجيلا ميركل قائمة النساء الأكثر تأثيرًا في العالم لمدة ستة عشر عامًا، وهي المدة التي حكمت خلالها ميركل ألمانيا وتركت أثرًا طيبًا في نفوس الألمان عمومًا (ما عدا اليمين)، وطالبي اللجوء من الفلسطينيين والعرب والسوريين خصوصًا، الذين عانوا من صراع دامٍ أدمى قلوبهم ومزقهم على جبهات متناحرة، وفرقتهم الحرب، وما زالت مفاعيل ذلك الصراع تُربك المشهد السياسي على الصعيدين العالمي والإقليمي.
امتازت مرحلة حكم ميركل بثلاثة أقانيم أساسية: الإنسانية، والدفاع عن البيئة، والتعددية السياسية. ولم يتردد بعض المؤرخين في نعتها بالمكيافيلية.
المستشارة الألمانية، المولودة عام 1954، حاصلة على شهادة جامعية عليا في الرياضيات، ثم أتمت دراستها ونالت درجة الدكتوراه في الفيزياء. وقد ترك هذا التخصص أثرًا بالغًا في طريقة تفكيرها السياسي، الذي امتاز بالهدوء والصرامة.
عاشت ميركل تحت الحكم الشيوعي في ألمانيا الشرقية خمسة وثلاثين عامًا، وقضت طفولة سعيدة، بحسب مذكراتها. وعُرف عنها منذ شبابها حبها للحياة والمشاكسة والعناد في المسائل الجوهرية المتعلقة بقضايا البيئة والحرية. وقد أتاح سقوط جدار برلين عام 1989 لشعب ألمانيا الشرقية الانضمام إلى الوطن الأم، وتذوق معنى التعددية السياسية والاختلاف، بعد عقود من نهج حكومات استبدادية تابعة لموسكو. وكان النظام في ألمانيا الشرقية يُدار بعقلية العالم الثالث وبأسلوب بيروقراطي صارم.
«الحرية» هو عنوان الكتاب الذي كتبته ميركل بالتعاون مع مديرة أعمالها بيآته بومان. وتكشف المذكرات عن توازن عميق بين خلفية ثقافية مميزة وروح إنسانية عالية لدى ميركل. وفي 671 صفحة، تستعرض ميركل مفهومها للديمقراطية، الذي لا تلخصه في التصويت الحر فحسب، بل يشمل حقوق الأقليات، واستقلال القضاء، وضمان حرية الصحافة والفن والبحث العلمي. كما تستعرض صراعات ألمانيا السياسية واختلافها، بل تعارضها أحيانًا، مع سياسات واشنطن.
ومن حسن حظ المستشارة الألمانية أنها عاصرت ولاية باراك أوباما (2009-2017)، وهو ما صرحت به ذات يوم. وتُعتبر ألمانيا قاطرة الاتحاد الأوروبي، وتقع على عاتقها أثقل أعباء القارة، تليها فرنسا، جارتها القوية، التي تتحمل الشق الثاني من هذه الأعباء وتضطلع بدور التنسيق بين دولها. وقد تزامنت ولاية ميركل مع حكم أربعة رؤساء فرنسيين، من بينهم نيكولا ساركوزي.
بعد ثورة الشعب الليبي عام 2011 ضد طاغية طرابلس، تبنى ساركوزي موقفًا متشددًا، وسارع إلى تأييد الحل العسكري، كما تبنى مشروع حظر الطيران الليبي، خشية قصف المدن والسكان الآمنين من قبل الزعيم الليبي. وقد تبين لاحقًا أن غرض ساركوزي الأساسي كان التخلص من القذافي، لأن الأخير كان قد موّل حملة سيد الإليزيه الانتخابية.
اختلفت ميركل مع ساركوزي بشأن طريقة معالجة الأزمة، خشية تورط الشعب الليبي في صراعات جهوية وحرب أهلية لا تُحمد عقباها، وهو ما حدث بالفعل.
«ماما ميركل» وسوريا
في عام 1990، انتُخبت ميركل نائبة في البوندستاغ، وبين عامي 1991 و1998، تولت وزارات الشباب والمرأة والبيئة على التوالي. وفي عام 2000، تولت رئاسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، وظلت في المنصب حتى عام 2018. وكان صعودها لافتًا للنظر، وتمكنت خلال مسيرتها من لملمة جراح ألمانيا وتجاوز خلافات برلين مع الدول الأوروبية بشأن الهجرة واللجوء بأفضل السبل. وواجهت جائحة كوفيد-19، واستوعبت تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وخلال تلك المرحلة، أطلقت عبارتها التي أصبحت أيقونة لدى الألمان: «نحن نستطيع».
في ذروة الصراع بين السلطة المستبدة وقوى التغيير عام 2015، مارست السلطة في دمشق أسوأ أنواع التنكيل والقتل ضد المدن والسكان الآمنين، وصعّد النظام نهج الإبادة بعدما أدرك أنه إلى زوال. ولم يسعفه تحالفه مع حزب الله اللبناني ولا تحالفه مع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران. حينها، قرر النظام الاستعانة بآلة القتل الروسية، إذ تدخلت روسيا في سبتمبر 2015، بعدما سبق لها أن تمرست بتدمير غروزني.
ودفع هذا التحالف الملايين من السوريين إلى الهجرة، أملًا في النجاة من الموت. وكانت ميركل تدرك معنى اللجوء والتشرد بعد انهيار جدار برلين، فحملت هموم المهمشين والمهاجرين، واتخذت قرارًا جريئًا باستقبال مليون لاجئ سوري، إلى جانب لاجئين آخرين من دول عربية أخرى، مما دفع الجاليات المهاجرة إلى نعتها بلقب محبب هو «ماما ميركل».
حظيت فلسطين باهتمام ميركل، وطرحت حلًا تمثل في الاعتراف بدولتين. وزارت ميركل تل أبيب، في أول زيارة من نوعها على هذا المستوى، نظرًا إلى حساسية الموقف بين تل أبيب وبرلين تاريخيًا. وفي الكنيست، وأمام النواب وعلى وسائل الإعلام، طرحت ميركل بكل جرأة رؤيتها لحل النزاع المستمر منذ قرن.
وعن زيارتها لإسرائيل، تقول: «كانت إسرائيل بالنسبة إليّ دولة مغلقة، وهي دولة علم، وتنفق جزءًا مهمًا من ميزانيتها على البحث العلمي، وهو ميداني المفضل».
اليوم، بات من الصعوبة بمكان أن تجتمع كلمة الألمان على «قائد» يتمتع بمكانة ميركل ودهائها. فهناك مخاطر تهدد وحدة أوروبا، وصعود لليمين في مختلف أرجائها، وحروب تستنزف الأمم. وقد يسهم العمل بمبادئ ميركل في التخفيف من تبعات النزاعات الدولية، وصعود اليمين، وأزمة النفط.
* رواية للأديب السوداني عماد البليك، تتناول الهجرة غير النظامية ومآسي الغرق في البحر وعنف مراكز اللجوء.
* تُرجمت المذكرات إلى الفرنسية على يد كورينا كيبنير وأوليفيه مانوني. وصدر الكتاب عن دار ألبوم ميشيل عام 2024، ويقع في 671 صفحة. وقد اعتمدنا على النسخة الفرنسية مرجعًا لكتابة هذا المقال.