مثل "الشيوعية" إبان الحرب الباردة.. صحيفة أميركية تدعو لمواجهة فكر الإخوان

دعت صحيفة «واشنطن تايمز» الأميركية إلى التعامل مع فكر التيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره موضوعاً يحتاج إلى دراسة منهجية وعميقة، على غرار النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة لفهم الشيوعية وتياراتها المختلفة.

وفي مقال رأي للكاتب كليفورد د. ماي، مؤسس ورئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، رأى أن السياسة الأميركية تجاه تيار الإسلام السياسي لا يمكن أن تقوم على الجهل أو الخوف من الاتهام بالإسلاموفوبيا، داعياً إلى تطوير معرفة متخصصة بتاريخ هذا الفكر وأصوله وتفرعاته وتأثيره السياسي والأمني.

من "علم السوفيات" إلى دراسة فكر الإخوان

استحضر ماي تجربة الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، مشيراً إلى أن واشنطن لم تكتفِ بمتابعة قرارات الكرملين، بل أنشأت مؤسسات أكاديمية متخصصة لدراسة الفكر الشيوعي وتطوره وانقساماته.

وأشار إلى تأسيس جامعة كولومبيا عام 1946 معهداً لدراسة الشؤون الروسية وتدريب ما وصفهم مؤسسوه بـ"المتخصصين الأميركيين"، ثم إنشاء مركز هارفارد للأبحاث الروسية عام 1948، كما أصدرت الحكومة الأميركية لعقود مجلة متخصصة بعنوان "مشكلات الشيوعية"، تضمنت تحليلات أكاديمية ودبلوماسية موجهة إلى صانعي السياسات.

وبحسب الكاتب، لم تقتصر تلك الدراسات على مراقبة سياسات الاتحاد السوفيتي، وإنما تناولت الماركسية اللينينية نفسها، والانقسامات التي طرأت عليها، بما في ذلك الاختلافات بين النموذج السوفيتي والصيني واليوغوسلافي والأوروبي.

ويرى ماي أن الولايات المتحدة تفتقر اليوم إلى مؤسسة أكاديمية مماثلة مكرسة لدراسة فكر الإسلام السياسي، رغم ما يعتبره تأثيراً أمنياً وسياسياً كبيراً لهذا التيار.

الإخوان في قلب الرؤية الأميركية

يركز المقال على جماعة الإخوان باعتبارها إحدى الحركات الرئيسية في تاريخ الإسلام السياسي، مشيراً إلى تأسيسها في مصر عام 1928 على يد حسن البنا.

ويقدم الكاتب قراءة سلبية لتطور الجماعة وأفكارها، ويربط نشأتها بالتحولات التي شهدها العالم الإسلامي عقب إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924، معتبراً أن البنا سعى إلى استعادة نموذج الخلافة وتعزيز الدور السياسي للإسلام.

كما يتوقف عند سيد قطب، الذي يصفه بأنه أحد أكثر منظري الإخوان تأثيراً، ويرى أن أفكاره شكلت جسراً فكرياً نحو تيارات جهادية ظهرت لاحقاً.

ويشير المقال إلى أن أيمن الظواهري، الذي أصبح لاحقاً نائباً لأسامة بن لادن ثم زعيماً لتنظيم القاعدة، انضم في شبابه إلى الإخوان، وأنه تأثر بأفكار قطب وسعى إلى تطبيق رؤيته.

ولا يقتصر الربط الذي يقدمه الكاتب على الجماعات السنية، إذ يشير أيضاً إلى أن أفكار قطب وصلت إلى إيران، وأن المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي ترجم بعض مؤلفات قطب إلى الفارسية قبل الثورة الإيرانية، معتبراً أن ذلك يوضح، من وجهة نظره، اتساع التأثير الفكري لأدبيات الإخوان خارج الإطار التنظيمي للجماعة.

الجدل حول نشاط الإخوان في الولايات المتحدة

وينتقل المقال إلى الداخل الأميركي، حيث ينتقد ماي ما يعتبره تردداً سياسياً في فتح نقاش حول نشاط الإخوان والجماعات المرتبطة بها.

ويستشهد بجلسة استماع عقدها السيناتور الجمهوري تيد كروز حول ما وصفه بـ”شبكة الإخوان المسلمين في أميركا”. وبحسب المقال، أعلن أعضاء ديمقراطيون في اللجنة مقاطعة الجلسة، بزعم أنها تستهدف المسلمين .

ويرى ماي أن المخاوف المتعلقة بالحريات المدنية مشروعة، لكنه يرفض اعتبار دراسة الإخوان استهدافاً للمسلمين، مشبهاً ذلك بدراسة السياسات السوفيتية خلال الحرب الباردة دون التعامل مع الأميركيين من أصول روسية باعتبارهم موضع اشتباه.

بين الدراسة والمواجهة

ويستعرض المقال أيضاً مواقف عدد من الدول تجاه جماعة الإخوان، مشيراً إلى حظرها أو تصنيفها منظمة إرهابية في دول عربية عدة، كما يتطرق إلى إجراءات أميركية قال إنها طالت فروعاً للجماعة في مصر والأردن والسودان.

وفي الوقت نفسه، يقر الكاتب بأن الولايات المتحدة لديها مؤسسات تنفذ بالفعل أبحاثاً مهمة حول الإرهاب والجماعات الجهادية، مستشهداً بمؤسسة «راند» ومركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت وبعض الباحثين في مؤسسة هوفر.

المعرفة كأساس للسياسة

ويخلص ماي إلى أن مواجهة تيارات الإسلام السياسي، من وجهة نظره، يجب ألا تقتصر على الإجراءات الأمنية، وإنما ينبغي أن تقوم على فهم تاريخ الأفكار والتيارات التي أنتجتها، وتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين فصائلها.

ويستشهد الكاتب بالدبلوماسي الأميركي الراحل أفريل هاريمان، الذي رأى أن السياسات المبنية على الجهل والوهم خطرة، وأن صناعة القرار تحتاج إلى المعرفة والفهم العميق.

ومن هذه الزاوية، يقدم المقال دعوة إلى بناء إطار أميركي أكثر شمولاً لدراسة هذه التيارات، مع وضع جماعة الإخوان في مركز هذا البحث، باعتبارها، في رؤية الكاتب، إحدى الحركات التي ساهمت في تشكيل جزء مهم من تاريخ الإسلام السياسي الحديث.

وتأتي هذه الدعوة في وقت يتجدد فيه الجدل الأميركي والغربي حول الجماعة، بين من يراها حركة سياسية ذات توجهات إسلامية وبين من يعتبرها جزءاً من منظومة أوسع للإسلاموية السياسية. ويعكس المقال بوضوح الاتجاه الثاني، إذ يتعامل مع فكر الإخوان باعتباره تياراً يستوجب المواجهة الفكرية والسياسية، لا مجرد الدراسة الأكاديمية المحايدة.

Next
Next

رئيس حزب الوطنيين الأحرار كميل شمعون: أدعم إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان