أربيل بعيون غربية.. مدينة تجمع بين عبق التاريخ والحياة المعاصرة

تجمع مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، بين تاريخ ضارب في القدم وحياة مدنية حديثة، ما يجعلها واحدة من أبرز الوجهات التي يمكن استكشافها في شمال العراق. وتقدم المدينة لزوارها مزيجًا من المواقع الأثرية والأسواق الشعبية ودور العبادة والمتاحف، إلى جانب أحياء تعكس التنوع الديني والثقافي الذي عرفته المنطقة على مدى قرون.

وتُعرف أربيل بالكردية باسم "هولێر"، وتعد من أقدم المدن المأهولة بصورة متواصلة في العالم، فيما تمثل قلعتها التاريخية أبرز معالمها وأكثرها ارتباطًا بتاريخ المدينة.

وتقول المدونة والرحالة البلجيكية لورا مايرز، في دليل نشرته على موقعها الخاص، إن زيارة أربيل تتيح التعرف إلى مزيج من التقاليد القديمة والحياة الكردية المعاصرة.

قلعة أربيل.. قلب المدينة التاريخي

تقع قلعة أربيل في قلب المدينة، وتعود جذورها إلى أكثر من 6 آلاف عام، وتُعد من أبرز المواقع التاريخية في المنطقة. وشهدت القلعة على مدار تاريخها تعاقب حضارات وقوى سياسية مختلفة، بينها السومريون والأكديون والآشوريون والساسانيون والمغول والعرب والعثمانيون، إلى جانب مراحل الحكم الكردي.

وتحولت القلعة خلال السنوات الأخيرة إلى موقع ثقافي وتاريخي، بعدما أُخليت من سكانها عام 2005 في إطار مشروع لإعادة تأهيلها وتحويلها إلى معلم تراثي. وتضم المنطقة عددًا من المباني والمعالم التاريخية، من بينها مسجد الملا أفندي، إلى جانب منشآت جرى تحويل بعضها إلى متاحف.

وتشير مايرز إلى أن القلعة كانت مغلقة أمام الزوار خلال زيارتها بسبب أعمال الترميم، لكنها أعيد فتحها لاحقًا، لتظل المحطة الأبرز أمام من يرغب في التعرف إلى تاريخ أربيل.

متحف المنسوجات.. ذاكرة الحرف الكردية

داخل القلعة يقع متحف المنسوجات الكردية، الذي يقدم جانبًا من التراث الشعبي للمنطقة من خلال عرض السجاد والمنسوجات التقليدية التي ارتبطت بالقبائل التي عاشت في كردستان.

ويتيح المتحف للزائر التعرف إلى طرق إنتاج هذه المنسوجات وألوانها التقليدية، كما يمثل محطة مهمة للراغبين في فهم جانب من الثقافة والحرف اليدوية الكردية.

بازار القيصرية.. الحياة اليومية في أزقة قديمة

وعلى مقربة من القلعة يقع "بازار القيصرية"، أحد أكثر الأماكن ارتباطًا بالحياة اليومية في أربيل. ويعود تاريخ البازار إلى القرن الثالث عشر، ويضم متاجر صغيرة ومقاهي شعبية ومحال تبيع المنتجات الغذائية والتوابل والمنسوجات والكتب وغيرها.

ولا تقتصر أهمية السوق على التسوق، إذ يمثل مكانًا مناسبًا لمراقبة تفاصيل الحياة المحلية والتعرف إلى أجواء المدينة التقليدية. كما يوفر للزوار فرصة لشراء الهدايا والتذكارات، أو الاستراحة في أحد المقاهي المنتشرة داخل أزقته.

المقاهي الشعبية.. الشاي جزء من المشهد

يشكل الشاي جزءًا من الحياة الاجتماعية في أربيل، وتنتشر المقاهي التقليدية خصوصًا حول القلعة والبازار. ومن أشهرها "مقهى مشكو"، الذي افتتح في أربعينيات القرن الماضي، وتحول على مدار عقود إلى ملتقى للكتاب والفنانين.

لكن شهرة المكان جعلته أكثر جذبًا للسياح والزوار، في حين لا تزال هناك مقاهٍ أخرى يمكن للزائر التوجه إليها بحثًا عن تجربة أكثر ارتباطًا بالحياة المحلية اليومية.

جامع جليل خياط.. عمارة تجمع أكثر من مدرسة

ومن المعالم الدينية البارزة في أربيل جامع جليل خياط، الذي اكتمل بناؤه عام 2007. ويتميز المسجد بتصميم يجمع عناصر من العمارة العباسية والعثمانية، إلى جانب الزخارف الداخلية والتفاصيل المعمارية اللافتة.

وبُني المسجد بمبادرة من رجل الأعمال الكردي جليل خياط، قبل أن يستكمل أبناؤه المشروع بعد وفاته عام 2005، ليصبح أحد أبرز مساجد المدينة وأكثرها حضورًا في المشهد العمراني لأربيل.

مئذنة المظفرية.. أثر من القرن الثاني عشر

وفي "منتزه المنارة" تقف مئذنة المظفرية، المعروفة أيضًا باسم "المنارة الجولية"، باعتبارها أحد الآثار التاريخية المهمة في أربيل.

وترجع المئذنة إلى القرن الثاني عشر، خلال حكم مظفر الدين كوكبوري، ويُعتقد أنها الجزء المتبقي من مسجد كان قائمًا في الموقع. ويرتبط ظهور عدد من المنشآت خارج قلعة أربيل، ومنها المدارس والبازار، بتحسن الظروف الأمنية آنذاك وبدء توسع الاستيطان خارج القلعة.

أنكاوا.. وجه آخر لأربيل

على مسافة نحو 6 كيلومترات من قلعة أربيل تقع منطقة أنكاوا، وهي من أبرز المناطق المسيحية في المدينة، ويغلب على سكانها الكلدان الكاثوليك.

وتختلف أنكاوا في طبيعتها عن مركز أربيل التاريخي، إذ تضم عددًا من الكنائس والمطاعم والمحال، كما تتميز بتنوع خيارات الطعام مقارنة بمناطق أخرى في المدينة. وتصفها مايرز بأنها منطقة هادئة تصلح للتجول، مشيرة إلى انتشار المطاعم التي تقدم المأكولات العالمية.

متحف التراث السرياني

وتضم أنكاوا أيضًا متحف التراث السرياني، الذي يركز على تاريخ وثقافة السريان في العراق، ويعرض صورًا وملابس تقليدية ومقتنيات مرتبطة بتراثهم.

ويمثل المتحف مساحة للتعرف إلى تاريخ السريان ولغتهم وعاداتهم، باعتبارهم إحدى المكونات التاريخية للمجتمع العراقي، كما يقدم جانبًا من التنوع الثقافي والديني الذي تتميز به مدينة أربيل والمنطقة المحيطة بها.

الربيع والخريف.. أفضل أوقات الزيارة

وبحسب الدليل السياحي، فإن الربيع والخريف يعدان من أفضل الفصول لزيارة أربيل، خصوصًا خلال الفترة الممتدة من مارس إلى أوائل مايو، ومن أواخر سبتمبر إلى أكتوبر، عندما تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالًا.

أما الصيف، فتشهد خلاله المدينة درجات حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية في بعض الفترات، بينما يصبح الشتاء أكثر برودة، مع درجات حرارة قد تتراوح بين 3 و14 درجة مئوية.

ويُمكن التنقل سيرًا على الأقدام في وسط المدينة، خاصة في المناطق المحيطة بالقلعة والبازار، بينما يمكن استخدام سيارات الأجرة للوصول إلى المناطق الأبعد مثل أنكاوا. كما تتوفر سيارات أجرة مشتركة وحافلات صغيرة للانتقال من أربيل إلى مدن أخرى في إقليم كردستان والعراق الاتحادي.

وبذلك تبدو أربيل أكثر من مجرد محطة عابرة في رحلة إلى كردستان العراق؛ فهي مدينة تختصر في شوارعها وأحيائها طبقات متعددة من التاريخ، من قلعة يعود عمرها إلى آلاف السنين وبازار يرجع إلى القرون الوسطى، وصولًا إلى المساجد الحديثة والأحياء التي تحتفظ بذاكرة المكونات الدينية والثقافية المختلفة. كما تمثل المدينة نقطة انطلاق لاستكشاف وجهات أخرى في الإقليم، بينها أخْرِي وسوران ووادي راوندوز.

Previous
Previous

حلب تسجل ارتفاعًا بأكثر من 110% في أعداد السياح مقارنة بالعام الماضي

Next
Next

الإمارات تتجاوز تداعيات الحرب بنمو قوي للقطاع غير النفطي