من "الراكب الخشن" إلى استعادة المخا.. الصحافة الأميركية ترصد تطورات المواجهة مع الحوثيين
رصدت صحيفتا «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال» التحولات المتسارعة في المواجهة مع جماعة الحوثيين في اليمن، حيث ركزت على التطورات الميدانية وفي القلب منها نجاح القوات اليمنية في استعادة مدينة المخا ضمن جهودها لتأمين الطريق إلى باب المندب، وسط تصعيد حوثي استهدف مواقع داخل السعودية ومنشآت مرتبطة بالطاقة، كما عادت بالزمن إلى العام 2025 حين شنت أميركا حملة جوية واسعة ضد الحركة تحت مسمى "الراكب الخشن".
وتقدم المادتان صورة لمسار المواجهة بين الماضي والحاضر؛ فبينما تركز «واشنطن بوست» على الدروس التي كشفتها الحملة الأميركية ضد الحوثيين وما رافقها من نقاشات داخل وزارة الدفاع الأميركية بشأن الأهداف والقدرات والنتائج، ترصد «وول ستريت جورنال» الجولة الجديدة من القتال ومحاولات القوات المدعومة سعوديًا استعادة مواقع استراتيجية على الساحل اليمني.
حملة «الراكب الخشن».. ضربات واسعة دون حسم نهائي
بحسب «واشنطن بوست»، بدأت إدارة ترامب في مارس 2025 عملية «راكب خشن» ضد الحوثيين، في حملة قصف استمرت 51 يومًا وشملت أكثر من ألف هدف، وكلفت الولايات المتحدة أكثر من مليار دولار.
وجاءت العملية بعد نقاشات حادة داخل وزارة الدفاع الأميركية بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين. ونقلت الصحيفة أن قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال مايكل «إريك» كوريلا، دفع باتجاه التحرك العسكري ضد الحوثيين وإيران، بينما دعا رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون إلى إجراء مزيد من التقييم قبل عرض الخيارات على الرئيس ترامب.
وفي خضم تلك النقاشات، أبدى مسؤولون في البنتاغون مخاوف بشأن استنزاف مخزونات من الذخائر الأميركية، إلا أن وزير الدفاع بيت هيغسيث أيد الاتجاه نحو العمل العسكري.
وانتهت الحملة في مايو 2025 بوقف لإطلاق النار توسطت فيه سلطنة عُمان، بعدما تعرضت الولايات المتحدة لخسائر مادية شملت إسقاط سبع طائرات مسيرة من طراز «إم كيو-9 ريبر» وفقدان مقاتلتين من طراز «إف-18» في حوادث، فيما لم يسجل مقتل جنود أميركيين خلال الحملة.
ورغم إعلان ترامب وهيغسيث نجاح العملية، تشير «واشنطن بوست» إلى أن مسؤولين سابقين ومحللين شككوا في مدى وضوح الأهداف التي كانت تسعى الحملة إلى تحقيقها، وفي قدرتها على إنهاء التهديد الحوثي بصورة دائمة، خصوصًا مع قدرة الجماعة على الحفاظ على قوتها وإعادة بناء قدراتها.
الهدنة لم تُنهِ المواجهة
وتشير الصحيفة الأميركية إلى أن انتهاء الحملة العسكرية لم يؤدِ إلى خروج الحوثيين من المشهد، إذ تمكنت الجماعة، وفق التقرير، من استغلال فترات الهدوء والمفاوضات للحفاظ على نفوذها وإعادة بناء قدراتها والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة.
وترى «واشنطن بوست» أن تجربة الحملة الأميركية أظهرت صعوبة التعامل مع الحوثيين باعتبارهم هدفًا يمكن تحييده عبر الضربات الجوية وحدها، في ظل قدرتهم على إعادة تنظيم صفوفهم والاستفادة من البيئة المحلية والإقليمية المحيطة بالصراع.
كما انتقد التقرير ما وصفه بتراجع الاهتمام الأميركي باليمن بعد انتهاء الحملة، في ظل عدم تعيين مبعوث أميركي خاص جديد وتقليص المساعدات، بينما واصل الحوثيون تعزيز حضورهم والاستفادة من الهدنة لإعادة ترتيب قدراتهم.
المخا وباب المندب في قلب الجولة الجديدة
وفي المقابل، ترصد «وول ستريت جورنال» انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة، مع إطلاق قوات يمنية مدعومة سعوديًا هجومًا مضادًا لاستعادة مدينة المخا من الحوثيين، في تحرك يرتبط بمحاولة إبعاد الجماعة عن باب المندب وتقليص قدرتها على تهديد حركة السفن وإمدادات الطاقة.
وقالت الصحيفة إن نحو 100 طائرة مقاتلة وفرت غطاءً جويًا للقوات اليمنية التي تتحرك شمالًا على الساحل باتجاه المخا، فيما أعلنت قوات التحالف السعودي تدمير مستودعات أسلحة ومنشآت تحتوي على قوارب محملة بالمتفجرات وألغام بحرية في محافظة الحديدة، بهدف منع استخدامها ضد السفن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
وفي المقابل، رد الحوثيون بهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت عدة مواقع داخل السعودية، من بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومصفاة تابعة لشركة أرامكو في رابغ، إضافة إلى منشآت عسكرية.
ونقلت «وول ستريت جورنال» عن المتحدث باسم الحوثيين تحذيره شركات الطيران التجارية من أن المجال الجوي السعودي أصبح، بحسب وصفه، مسرحًا للعمليات، فيما تحدث الحوثيون عن تنفيذ القوات السعودية عشرات الغارات والهجمات الصاروخية على صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرتهم.
باب المندب.. البعد الأوسع للمواجهة
وتكتسب معركة المخا أهمية تتجاوز حدود المدينة، إذ ترتبط بموقعها على الساحل وقربها من مضيق باب المندب، الذي يمثل أحد الممرات الرئيسية لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وبحسب «وول ستريت جورنال»، أدى استيلاء الحوثيين على المخا الشهر الماضي إلى اقترابهم من أضيق نقاط باب المندب، كما أثار تهديدهم لحركة السفن السعودية مخاوف بشأن صادرات النفط وإمدادات الطاقة في المنطقة.
وتقول الصحيفة إن الهجمات الحوثية على منشآت الطاقة السعودية تعكس استعداد الجماعة لتوسيع نطاق المواجهة، فيما يرى محللون أن ضرب السعودية يمثل وسيلة للحوثيين للرد على الخسائر الميدانية وإظهار قدرتهم على إلحاق أضرار باقتصاد المملكة.
وتزامن ذلك مع تحرك القوات المدعومة سعوديًا لاستعادة المناطق التي خسرتها، في وقت أعلنت فيه جماعة «ألوية العمالقة» مشاركتها في العمليات، مع تأكيدات يمنية بالسيطرة على المضيق، وهي معلومات قالت «وول ستريت جورنال» إنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة.
واشنطن تختار الدعم غير المباشر
وفي الجولة الحالية، يبدو الدور الأميركي مختلفًا عن حملة «راكب خشن»، إذ نقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤول عسكري أميركي أن الرئيس ترامب حد من المشاركة الأميركية المباشرة، بعدما طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دعمًا عسكريًا من الولايات المتحدة، لتقتصر المساعدة الأميركية على المعلومات الاستخباراتية والدعم غير المباشر.
ويرتبط هذا الخيار، وفق الصحيفة، بمخاوف من أن يؤدي فتح جبهة عسكرية أميركية جديدة إلى زيادة الضغط على القوات الأميركية وتعقيد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة الدولية.
ويأتي ذلك بعد تجربة الحملة السابقة، التي أظهرت أن التفوق الجوي والضربات المكثفة لم يؤديا وحدهما إلى إنهاء قدرة الحوثيين على مواصلة العمل وإعادة بناء قدراتهم.
مواجهة مفتوحة بين القصف واستعادة الأرض
وبين تجربة «راكب خشن» والتحرك العسكري الحالي لاستعادة المخا، ترصد الصحيفتان انتقال المواجهة مع الحوثيين من محاولة ردع الجماعة عبر القصف الجوي إلى التركيز على السيطرة على مواقع استراتيجية على الأرض وتأمين الممرات البحرية.
وتشير «واشنطن بوست» إلى أن تجربة العام الماضي تفرض أسئلة بشأن وضوح الأهداف العسكرية، واستراتيجية الخروج، ومدى قدرة الضربات الجوية وحدها على إنهاء التهديد الحوثي، بينما تظهر تغطية «وول ستريت جورنال» أن الجولة الجديدة تركز على استعادة مواقع ساحلية واحتواء قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب والمنشآت السعودية.
وبذلك، تبدو معركة المخا امتدادًا لصراع أوسع لم يُحسم بالهدنة التي أنهت الحملة الأميركية، في وقت يحاول فيه الحوثيون الحفاظ على قدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر والطاقة الإقليمية، بينما تتحرك القوات المدعومة سعوديًا لتغيير ميزان السيطرة على الساحل اليمني وبالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.