بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل".. خطة من 3 مراحل لتعزيز سيطرة الجيش اللبناني على الجنوب
طرح معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تصورًا لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، يقوم على إنشاء آلية دولية مؤقتة بقيادة الولايات المتحدة، هدفها دعم الجيش اللبناني وتطوير قدراته بما يمكّنه تدريجيًا من تولي المسؤولية الأمنية الكاملة في جنوب البلاد.
ويأتي المقترح مع اقتراب انتهاء التفويض الممنوح لـ"اليونيفيل" في 31 ديسمبر المقبل، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب منظمة للقوة. وكان مجلس الأمن قد حدد الهدف الاستراتيجي للمرحلة التالية في جعل الحكومة اللبنانية "الموفر الوحيد للأمن في جنوب لبنان"، غير أن المعهد يرى أن الآلية اللازمة لتحقيق هذا الهدف لم تُحدد بصورة واضحة.
ويرى المعهد أن انتهاء مهمة "اليونيفيل" لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مقدمة لفراغ أمني أو انسحاب للمجتمع الدولي من لبنان، وإنما فرصة لاستبدال نموذج أمني لم يعد ملائمًا للواقع الحالي بآلية مؤقتة وأكثر تركيزًا على بناء قدرات الدولة اللبنانية.
آلية دولية بقيادة أميركية
ويقترح معهد واشنطن أن تتولى الولايات المتحدة قيادة الآلية الانتقالية، من خلال تعيين قائد أميركي يتولى تنسيق جهود الدول المشاركة، مع إمكانية إسناد دور إلى ضابط رفيع من السعودية أو الإمارات لإضفاء بُعد عربي على المهمة، إلى جانب مشاركة دول أوروبية، بينها فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، في التدريب وتوفير المعدات والخبرات العسكرية لوحدات مختارة من الجيش اللبناني.
كما يقترح المعهد إشراك الاتحاد الأوروبي ودول الخليج واليابان ودول مانحة أخرى في توفير التمويل والموارد اللازمة. ويرى أن الموارد التي ينفقها المجتمع الدولي حاليًا على "اليونيفيل"، والتي يقدرها بنحو 500 مليون دولار سنويًا، يمكن إعادة توجيهها من الحفاظ على قوة دولية كبيرة إلى بناء قدرات الجيش اللبناني، مع الإبقاء على تمويل جهاز دولي أصغر حجمًا ومحدد المهام.
ولا تقتصر الخطة، وفق التصور المطروح، على زيادة أعداد الجيش أو دعم الرواتب، بل تركز على إنشاء وحدات عملياتية قادرة على العمل في الميدان، من خلال التدريب والتجهيز وتوفير المعلومات الاستخباراتية والهندسة واللوجستيات ووسائل الحركة والانتشار السريع وقدرات القيادة والسيطرة.
ثلاث مراحل للانتقال الأمني
ويقسم معهد واشنطن الخطة المقترحة إلى ثلاث مراحل مترابطة، على أن يرتبط الانتقال من مرحلة إلى أخرى بمدى تحقيق الجيش اللبناني لمؤشرات أداء محددة.
المرحلة الأولى تركز على بناء قدرات وحدات مختارة من الجيش اللبناني، وإعداد خريطة شاملة للبنية التحتية العسكرية للجماعات المسلحة في الجنوب، ووضع خطة منظمة لنشر الجيش تدريجيًا في المنطقة. وتشمل الخطة المقترحة تفكيك المواقع التي يمكن استخدامها لتنفيذ هجمات، ونقل الأسلحة إلى سيطرة الدولة، والعمل على تفكيك القدرات العسكرية لـ"حزب الله".
بينما تتضمن المرحلة الثانية توسيع مسؤوليات الجيش اللبناني مع تحقيق المعايير المتفق عليها. ولا يقترح المعهد نشرًا واسعًا للجيش في كل مناطق الجنوب، وإنما انتقال وحدات لبنانية قادرة إلى المواقع التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، والبناء على ما جرى من أعمال لتفكيك مواقع "حزب الله".
أما المرحلة الثالثة فتهدف إلى استكمال نقل المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني، بالتزامن مع تقليص الوجود التدريجي للآلية الدولية التي ستتولى دعم عملية الانتقال.
ويشدد المقترح على ألا يرتبط الانتقال بجدول زمني محدد مسبقًا، بل بمدى قدرة الجيش اللبناني على تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في استعادة احتكار الدولة للسلاح، من خلال نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها العسكرية.
"اليونيفيل".. نموذج أمني لمرحلة مختلفة
ويشير معهد واشنطن إلى أن "اليونيفيل" لعبت دورًا في الحفاظ على قنوات الاتصال والحضور الدولي في جنوب لبنان طوال نحو خمسة عقود، لكنه يعتبر أن قدرتها على منع "حزب الله" من بناء بنية عسكرية واسعة في المنطقة كانت محدودة.
وبحسب التصور المطروح، فإن الحرب الأخيرة أظهرت أوجه القصور في النموذج القائم، ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف إنشاء نسخة جديدة من "اليونيفيل"، بل إقامة آلية تركز بصورة أساسية على تدريب الجيش اللبناني وتجهيزه ومساعدته على تولي المسؤولية الأمنية.
ويفرق المقترح بين ثلاث وظائف: التنسيق بين إسرائيل والجيش اللبناني، الذي يؤديه حاليًا ضباط أميركيون؛ ومهمة التدريب والتجهيز المقترحة للمرحلة التي تلي "اليونيفيل"؛ وآلية التحقق من تنفيذ الالتزامات، التي لا تزال تفاصيلها موضع نقاش بين إسرائيل ولبنان.
ويقترح المعهد أن تتم عملية التحقق من خلال آلية صغيرة ومهنية تعتمد بصورة أساسية على المعلومات الاستخباراتية الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب زيارات ميدانية محددة، بدلًا من نشر قوة دولية كبيرة في الجنوب.
بين الانسحاب الإسرائيلي وغياب الفراغ الأمني
ويضع المقترح مسألة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان ضمن المعادلة الأمنية الجديدة، إذ يرى معهد واشنطن أن إسرائيل لن تكون مستعدة للانسحاب الكامل إلى الحدود إذا اعتقدت أن ذلك سيؤدي إلى فراغ أمني يسمح بإعادة بناء القدرات العسكرية لـ"حزب الله".
وفي المقابل، يعتبر المعهد أن استمرار الوجود الإسرائيلي في لبنان ليس حلًا مستدامًا، لأنه قد يؤدي إلى استمرار الاحتكاك وإضعاف الدولة اللبنانية، كما قد يمنح "حزب الله" مبررًا لإعادة تقديم نفسه باعتباره قوة "مقاومة".
ومن هذا المنطلق، يقترح انتقالًا تدريجيًا تتولى خلاله وحدات الجيش اللبناني المسؤولية عن المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، بما يقلل مخاطر حدوث فراغ أمني ويعزز قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها.
تمويل مشروط وبناء قدرات الجيش
ويشدد معهد واشنطن على ضرورة تغيير طريقة تقديم الدعم الدولي للجيش اللبناني، بحيث لا يقتصر الأمر على التجنيد ودعم الرواتب، وإنما يتجه إلى بناء قدرات عملياتية متخصصة تشمل التدريب والتسليح والاستخبارات والهندسة واللوجستيات والانتشار والقيادة والسيطرة.
كما يدعو إلى ربط المساعدات الدولية بنتائج ملموسة على الأرض؛ بحيث يؤدي تحقيق الجيش اللبناني للمعايير المحددة إلى الحصول على مزيد من التدريب والمعدات والتمويل.
ويقترح المعهد تدريب بعض الوحدات اللبنانية المختارة في مركز الملك عبدالله الثاني لتدريب العمليات الخاصة في الأردن، مع تمويل من السعودية والإمارات أو شركاء آخرين.
وفي المحصلة، يقدم معهد واشنطن انتهاء مهمة "اليونيفيل" باعتباره فرصة لإعادة توجيه الوجود والدعم الدوليين نحو بناء قدرات الدولة اللبنانية، بدلًا من استمرار نموذج يعتمد على قوة دولية كبيرة لمراقبة الوضع الأمني. ويحدد المقترح هدفه النهائي في بناء جيش لبناني قادر على السيطرة على الجنوب، ومنع الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها العسكرية، بما يتيح انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا ويفتح المجال أمام تطور قنوات الحوار بين إسرائيل ولبنان إلى اتفاق أوسع للسلام والأمن.