معهد أميركي: تراجع نفوذ إيران داخل حماس "فرصة استراتيجية" للولايات المتحدة

قال معهد "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" أن التحولات الجارية داخل حركة حماس في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة تمثل فرصة غير مسبوقة للولايات المتحدة لإعادة صياغة أدوات نفوذها في ملف غزة، عبر استثمار تراجع التأثير الإيراني داخل الحركة، وتعزيز دور الوسطاء الإقليميين.

وبحسب تحليل للمعهد، فإن الحرب في منطقة الشرق الأوسط وما رافقها من تصعيد عسكري وسياسي، أدت إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل حماس نفسها، حيث تراجع نفوذ التيار القريب من طهران، مقابل صعود نسبي لتيار آخر يميل إلى تعزيز العلاقات مع الدول ذات الخلفية السياسية المرتبطة بحركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها قطر وتركيا.

تراجع محور إيران داخل حماس

يشير التقرير إلى أن العلاقة بين حماس وإيران لم تكن ثابتة عبر السنوات، لكنها شهدت خلال المرحلة الأخيرة ضغوطاً متزايدة نتيجة اختلاف الأولويات الإقليمية، وتباين المواقف بشأن إدارة الحرب والتصعيد في المنطقة.

ويذهب المعهد إلى أن هذا التراجع لا يعني القطيعة الكاملة، لكنه يحد من قدرة طهران على التأثير المباشر في القرارات العملياتية والسياسية داخل الحركة، خصوصاً في ظل الخسائر التي تكبدتها شبكة حلفائها في أكثر من ساحة إقليمية.

كما يلفت التقرير إلى أن هذا التحول ترافق مع تغيرات داخل البنية القيادية لحماس، ما أدى إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ بين جناحين رئيسيين: أحدهما يعتمد على الدعم العسكري واللوجستي القادم من محور إيران، والآخر يميل إلى توسيع الخيارات السياسية عبر الانفتاح على وسطاء إقليميين.

انقسام داخلي يعيد رسم التوازنات

بحسب التقرير، فإن أحد أهم التطورات التي رافقت الحرب هو تعمّق الانقسام داخل حماس بين تيارين: الأول هو تيار يركّز على العلاقة الاستراتيجية مع إيران، ويعتبرها المصدر الأساسي للدعم العسكري والتدريب والتسليح. هذا التيار يتمركز غالباً داخل البنية العسكرية للحركة وفي بعض قيادات غزة.

أما التيار الثاني، فيرتبط أكثر بالقيادات السياسية في الخارج، ويعتمد على شبكة علاقات تمتد إلى قطر وتركيا، ويرى أن مستقبل الحركة السياسي يتطلب قدراً من المرونة والانفتاح الإقليمي، بهدف الحفاظ على وجودها داخل المشهد الفلسطيني والدولي.

ويؤكد المعهد أن هذا الانقسام ليس جديداً بالكامل، لكنه أصبح أكثر وضوحاً تحت ضغط الحرب، ومع تغير البيئة الإقليمية، ما جعل التنافس الداخلي أكثر تأثيراً على القرارات الاستراتيجية للحركة.

فرصة أميركية لإعادة التموضع

في هذا السياق، يرى التقرير أن تراجع النفوذ الإيراني يفتح نافذة سياسية أمام واشنطن لإعادة صياغة نهجها تجاه الملف الفلسطيني، ليس عبر التعامل المباشر مع حماس، بل من خلال إدارة شبكة الوساطة الإقليمية.

ويعتبر المعهد أن الولايات المتحدة يمكن أن تستفيد من تقاطع المصالح مع كل من قطر وتركيا ومصر، من أجل ممارسة ضغط غير مباشر على الحركة، بهدف دفعها نحو سلوك أكثر انضباطاً وفق الرؤية الغربية للتسوية السياسية.

كما يشير التقرير إلى أن واشنطن تمتلك الآن هامش حركة أوسع مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة تراجع قدرة إيران على استخدام حماس كأداة نفوذ إقليمي مباشر، وهو ما كان يشكل أحد أهم تعقيدات السياسة الأميركية في المنطقة.

دور قطر وتركيا في المرحلة المقبلة

يركز التحليل بشكل خاص على دور قطر وتركيا، باعتبارهما من أبرز القنوات السياسية والإعلامية والمالية التي ترتبط بالحركةـ حيث يرى أن تزايد اعتماد حماس على هذين البلدين في المرحلة المقبلة قد يمنح الولايات المتحدة فرصة للتأثير غير المباشر، من خلال التنسيق الدبلوماسي والأمني، بهدف دفعهما إلى استخدام نفوذهما في اتجاهات أكثر توافقاً مع أولويات الاستقرار الإقليمي.

لكن المعهد يحذر في الوقت نفسه من أن هذا النفوذ قد يتحول إلى عامل تمكين للحركة إذا لم يتم ضبطه، إذ يمكن أن تستفيد حماس من الدعم السياسي واللوجستي دون تقديم تنازلات جوهرية.

المخاوف الأميركية

رغم ما يعتبره التقرير "فرصة استراتيجية"، فإنه يسلط الضوء أيضاً على المخاطر المحتملة، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية منح حماس شرعية سياسية غير مباشرة عبر الانخراط في عمليات الوساطة أو التفاوض.

ويشير التحليل إلى أن أي تواصل مباشر أو غير مباشر غير مضبوط قد يُستخدم من قبل الحركة لتعزيز موقعها السياسي داخل الساحة الفلسطينية، وتقديم نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.

لذلك، يوصي التقرير بأن تبقى أي قنوات تواصل محكومة بشروط صارمة، وأن تُربط بأي تقدم سياسي أو اقتصادي بتحولات ملموسة في سلوك الحركة على الأرض.

مصر كعامل توازن أمني

يؤكد التقرير أن مصر تظل لاعباً محورياً في إدارة الملف، نظراً لاعتبارات أمنها القومي، وارتباطها المباشر بملف غزة.

ويشير إلى أن القاهرة تمثل في كثير من الأحيان نقطة توازن بين الأطراف المختلفة، إذ تجمع بين القدرة على التواصل مع حماس من جهة، والتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

استنتاجات وتوصيات المعهد

في ختام التحليل، يرى المعهد أن المرحلة الحالية تمثل واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ حماس الحديث، حيث تواجه الحركة ضغطاً متزامناً من الخارج وتحديات داخلية في الوقت نفسه.

وبناءً على ذلك، يوصي التقرير بما يلي: "عدم تقديم أي مكاسب سياسية مباشرة للحركة في هذه المرحلة، وتعزيز الضغط غير المباشر عبر قطر وتركيا ومصر، ومنع إيران من استعادة نفوذها داخل الحركة، وإدارة أي مسار تفاوضي بحذر شديد لتجنب منح شرعية سياسية غير مقصودة".

ويخلص التقرير إلى أن تراجع نفوذ إيران لا يعني نهاية تعقيد المشهد، لكنه يفتح نافذة نادرة أمام الولايات المتحدة لإعادة ضبط توازنات القوة في غزة والمنطقة، بشرط إدارة هذه الفرصة بدقة عالية وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تعزيز موقع حماس بدلاً من تقييده.

Next
Next

زيد الأيوبي: سلاح حماس لم يحقق أي مكاسب لغزة.. ونزعه مطلب فلسطيني وليس إسرائيلي