وسط جدل "الخصخصة".. مخاوف حول مستقبل "الصحة" في سوريا
دمشق – خاص "جسور نيوز"
يشهد قطاع الصحة في سوريا حالة من الجدل على خلفية تقارير تتحدث عن توجه نحو "خصخصة" إدارة بعض المشافي الحكومية.
هذا الجدل الذي بدأ بتصريحات متضاربة من جهات رسمية، انتقل إلى حيز التنفيذ الميداني وفق شهادات من العاصمة دمشق، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة النماذج الإدارية الجديدة وأثرها على مجانية العلاج.
تضارب المواقف الرسمية حول "الخصخصة"
بدأ الملف بالظهور إلى العلن عقب تصريحات منسوبة لرئيس هيئة الاستثمار السورية حول دراسة نموذج لخصخصة إدارة المشافي، قبل أن تصدر الهيئة نفياً لاحقاً لهذه التوجهات.
وسبق أن أكدت وزارة الصحة في مناسبات عدة أن القطاع "ليس للبيع"، لكنها قبل شهور، وبالتحديد عقب زيارة لوفد تركي، أشارت إلى مزايا الشراكات الدولية لتطوير القطاع، متحدثة عن تحسين أجور الكوادر الطبية لتصل إلى مستويات تنافسية (نحو ثلاثة آلاف دولار)، مع طمأنة المواطنين بأن الخدمات ستبقى مجانية لفترة انتقالية محددة بعامين.
شهادات من مشفى جراحة القلب بـ"دمر"
ميدانياً، ترصد "جسور نيوز" تحولات ملموسة في مشفى أمراض وجراحة القلب بمنطقة دمر بدمشق، وهو المرفق التخصصي الأحدث في البلاد. ونقلت المواطنة "غالية" في شهادة خاصة تجربة زيارتها للمشفى مؤخراً، مشيرة إلى ملاحظتها لتغييرات جوهرية في الكادر الطبي.
تقول غالية: "بعد عام من إجراء شقيقتي لعملية تركيب بطارية قلب، عدنا للمعايرة الدورية، لنلاحظ أن الإدارة والأطباء الحاليين هم من الجنسية التركية، مع غياب واضح لعدد كبير من الكوادر والممرضين السوريين الذين كانوا موجودين سابقاً".
تتقاطع هذه الرواية مع معلومات تشير إلى تسلم جهة تركية مهام الإدارة الفنية والطبية للمشفى ضمن إطار "اتفاقية شراكة".
تحديات أمام النموذج الجديد
في قراءة لهذه التطورات، أوضح الخبير الاقتصادي محمد العلبي في تصريح خاص لـ "جسور نيوز" أن هذا التوجه يثير إشكاليات مركبة.
ويوضح العلبي أنه على المستوى القانوني، لا تملك الجهات التنفيذية صلاحية منفردة لتغيير هوية المرافق العامة دون إطار تشريعي ناظم، مؤكداً أن دور هيئة الاستثمار هو "تسهيلي" فقط، بينما تظل المشافي تحت ولاية وزارة الصحة التي تحتاج بدورها لغطاء قانوني لإقرار مثل هذه الشراكات.
وعلى الصعيد الاجتماعي، حذر العلبي من أن إدخال مفهوم "الربحية والعائد" إلى القطاع الصحي، في ظل ضعف القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر، قد يؤدي تدريجياً إلى نقل كلفة العلاج للمواطن، مما يهدد "الوصول العادل للطبابة" ويحولها من حق عام إلى خدمة مشروطة بالقدرة المادية.
مستقبل العلاج بين التطوير والتكلفة
يرى متابعون أن اختيار مشفى دمر كنموذج أولي يعود لجهوزيته العالية وجدواه الاقتصادية. وبينما تراهن الجهات الرسمية على أن هذه الشراكات ستحقق قفزة في نوعية الخدمة وتحد من هجرة الأطباء عبر تحسين الأجور، يبدي الشارع السوري تخوفاً من انتهاء مهلة "المجانية المؤقتة"، مما قد يضع العائلات أمام أعباء مالية تفوق طاقتها في ظل غياب نظام تأمين صحي شامل يغطي تكاليف الجراحات والقثطرة القلبية.