"حكم بلا حكومة".. دراسة أميركية ترصد أدوات حماس للحفاظ على سيطرتها في غزة
بعد عام من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تقول دراسة صادرة عن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" إن حركة حماس تمكنت من إعادة تنظيم نفوذها والحفاظ على قدر كبير من السيطرة المدنية والسياسية داخل القطاع، رغم تخليها رسميًا عن السلطة الحكومية وتراجع قدراتها العسكرية.
وترصد الدراسة نموذجًا وصفته بأنه "حكم بلا حكومة"، إذ انتقلت حماس من إدارة مركزية معلنة إلى شبكة لامركزية من النفوذ والوسطاء والمؤسسات المدنية والأمنية والاقتصادية، بما يسمح لها بالتأثير في الحياة اليومية للسكان دون تحمل المسؤولية الرسمية الكاملة عن إدارة القطاع.
وتعتبر الدراسة أن هذا التحول أتاح للحركة تقليل تعرضها للضغط العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي وللمساءلة الدولية، مع الاحتفاظ بأدوات تمكنها من التأثير في توزيع الموارد وإدارة الخدمات والنشاط الاقتصادي، في ظل غياب سلطة بديلة قادرة على تولي إدارة غزة بصورة فعالة.
من سلطة رسمية إلى نفوذ غير مباشر
تشير الدراسة إلى أن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 أوجد واقعًا جديدًا في غزة، بعدما تخلت حماس رسميًا عن مسؤولياتها الحكومية ونقلت السلطة إلى لجنة وطنية فلسطينية ذات طابع تكنوقراطي هي "اللجنة الوطنية لإدارة غزة".
لكن الدراسة تقول إن اللجنة لم تتمكن من ممارسة مسؤولياتها، في ظل عدم السماح لأعضائها بدخول القطاع، وربط إسرائيل دخولهم بنزع سلاح حماس.
وفي هذه البيئة، احتفظت الحركة بنفوذ متفاوت من منطقة إلى أخرى. فبحسب الدراسة، ما زالت المناطق الوسطى من القطاع تتمتع بقدر أكبر من الاستمرارية الإدارية والقدرة التشغيلية، بينما شهدت المناطق الشمالية والجنوبية تراجعًا أكبر في الحضور الإداري والأمني، بالتزامن مع تصاعد النزاعات العشائرية والجرائم.
ومع تراجع الوجود الشرطي الظاهر في بعض المناطق، تقول الدراسة إن حماس لجأت إلى آليات أمنية سرية، من بينها وحدة "قوات الردع"، لمراقبة المعارضين والتعامل مع النشاط الإجرامي وإعادة فرض نفوذ الحركة في المناطق التي تراجعت فيها قدرتها على ممارسة الحكم بصورة مباشرة.
وفي المناطق التي لا تزال فيها قدراتها الإدارية أقوى، يحتفظ موظفون مدنيون مرتبطون بحماس بأدوار في تسجيل السكان وتوزيع المساعدات وإدارة بعض البنية التحتية الأساسية وجمع قدر محدود من الضرائب، وإن كانت هذه الوظائف قد تقلصت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
المساعدات.. من أزمة إنسانية إلى أداة نفوذ
ترى الدراسة أن غياب سلطة بديلة في غزة دفع المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة إلى التعامل عمليًا مع شبكات مرتبطة بحماس لضمان وصول المساعدات إلى السكان.
وتشير إلى أن منظمات دولية عدة تعمل في القطاع، من بينها برنامج الأغذية العالمي واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية والمجلس الطبي الدولي والمطبخ المركزي العالمي، في مجالات تشمل الغذاء والرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي والدعم اللوجستي.
وبحسب الدراسة، فإن ما كان قبل الحرب يمثل خطًا أحمر بالنسبة إلى إسرائيل والمنظمات الإنسانية، أصبح في بعض الحالات ضرورة تشغيلية، نتيجة عدم وجود جهة أخرى تمتلك القدرة على توفير الوصول إلى المناطق المختلفة والحفاظ على قنوات توزيع المساعدات.
وترى الدراسة أن هذا الوضع يمنح حماس قدرة على التأثير في كيفية توزيع الموارد، وتحديد المجتمعات التي تحصل على المساعدات أولًا، والتأثير في العلاقات بين العشائر والجهات المحلية، بما يعزز اعتماد السكان على شبكات مرتبطة بالحركة.
اقتصاد الحرب.. الضرائب والسلع والوقود
وتولي الدراسة أهمية خاصة للجانب الاقتصادي، معتبرة أن حماس أعادت خلال العام الماضي تشكيل مصادر إيراداتها.
وبحسب تحليل أشار إليه التقرير لمعهد "ميتافيم" الإسرائيلي، تعتمد الحركة بدرجة كبيرة على السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على السلع التجارية والمساعدات الطارئة الداخلة إلى القطاع، من خلال فرض ضرائب على البضائع التي يستوردها التجار الخاصون.
وتقدر الدراسة دخول ما بين 500 و600 شاحنة إلى غزة يوميًا، فيما تتراوح الضرائب التي تفرضها حماس على السلع بين 15 و25% من قيمة البضائع، مع تقدير متوسط الضريبة على الشاحنة بأكثر من 15 ألف دولار.
كما تتهم الدراسة الحركة بالاستيلاء على أجزاء من شحنات المساعدات الدولية وإعادة بيعها في الأسواق، فضلًا عن تحقيق إيرادات من الوقود الذي تدخله المنظمات الإنسانية لتلبية احتياجاتها الخاصة قبل إعادة بيعه بأسعار مرتفعة.
وتقدر الدراسة أن إجمالي الإيرادات الناتجة عن هذه الأنشطة يصل إلى عدة ملايين من الدولارات يوميًا.
كما تشير إلى استمرار شبكات تهريب السلع المحظورة، وفرض رسوم مرتفعة على التحويلات المالية عبر تطبيقات الدفع المحلية، في وقت أصبحت فيه السيولة النقدية نادرة نتيجة انهيار الخدمات المصرفية والقيود المفروضة على حركة العملة.
وترى الدراسة أن هذه الظروف أتاحت لحماس توسيع قدرتها على التحكم في التدفقات المالية، بالتوازي مع إعادة تفعيل قنوات تمويل تقليدية مثل نظام "الحوالة"، الذي يصعب تتبعه إلكترونيًا.
شبكات رقمية بدل المؤسسات
ولا يقتصر نموذج حماس، وفق الدراسة، على الأدوات الاقتصادية والأمنية، إذ طورت الحركة أيضًا بنية رقمية لامركزية لإدارة جانب من الحياة اليومية في القطاع.
وتقول الدراسة إن مجموعات مغلقة عبر "تلغرام" و"واتساب"، وقنوات اتصال مشفرة وشبكات تنسيق غير رسمية، تستخدم في إدارة حركة السلع وجمع الضرائب وتنسيق الرسائل العامة وتسوية النزاعات المحلية.
وتتيح هذه الشبكات لحماس الحفاظ على درجة من السيطرة دون الحاجة إلى وجود مادي مستمر في جميع المناطق، خصوصًا تلك التي تراجعت فيها مؤسسات الحكم الرسمية.
كما تقول الدراسة إن الحركة لا تزال تحتفظ بنفوذ داخل مؤسسات مدنية مختلفة من خلال تعيينات سابقة ووسطاء مرتبطين بها وبعلاقات عشائرية، بما يسمح لها بالتأثير في البلديات ولجان التخطيط وتوزيع المياه والكهرباء والتراخيص التجارية.
وتشير كذلك إلى استمرار نفوذها في قطاع التعليم، من خلال التعيينات والمحتوى الذي يجري تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي والوسطاء المحليين.
"الفوضى المنضبطة" كوسيلة للسيطرة
وترصد الدراسة جانبًا آخر من نموذج حماس، يتمثل في تعاملها مع تدهور الوضع الأمني وارتفاع معدلات الجريمة.
فمع تزايد جرائم القتل والسرقة والنهب والاتجار بالمخدرات، تقول الدراسة إن الحركة لا تتعامل مع الجريمة باعتبارها مشكلة أمنية فقط، بل تسعى إلى إدارتها بما يخدم نفوذها.
وتستند الدراسة إلى تقارير أممية وتحليلات أخرى لتشير إلى أن حماس سمحت لبعض الجماعات الإجرامية بالعمل في مناطق محددة، بهدف إضعاف عشائر منافسة، ثم تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على إعادة فرض النظام.
وبحسب هذا التحليل، تتحول حالة الفوضى نفسها إلى أداة نفوذ؛ إذ تسمح للحركة بإظهار قدرتها على توفير قدر من الأمن عندما تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على ذلك.
تحركات سياسية تتجاوز غزة
وبالتوازي مع إعادة بناء نفوذها داخل القطاع، تقول الدراسة إن حماس تحاول الحفاظ على موقعها في المشهد السياسي الفلسطيني الأوسع.
وتشير إلى سلسلة لقاءات عقدتها الحركة في مصر مع فصائل فلسطينية مختلفة، من بينها "التيار الإصلاحي الديمقراطي" الذي يقوده محمد دحلان، بهدف بناء ما وصفته بـ"تحالف وطني" استعدادًا للانتخابات المخطط لها للمجلس التشريعي الفلسطيني ومؤسسات منظمة التحرير.
وترى الدراسة أن هذه التحالفات تبدو تكتيكية أكثر من كونها قائمة على تقارب أيديولوجي، وتهدف إلى الحفاظ على حضور سياسي مستقل عن السلطة الفلسطينية، بما يتيح لحماس الاستمرار كطرف لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات فلسطينية مقبلة.
عين على الضفة الغربية
ولا تتوقف مخاوف الدراسة عند قطاع غزة، إذ ترى أن حماس تسعى بالتوازي إلى توسيع نفوذها في الضفة الغربية.
وتعتبر أن تصاعد عنف المستوطنين، والاستيلاء على الأراضي والتغيرات التي تشهدها بعض المدن، يوفر للحركة مادة سياسية وإعلامية لتقديم نفسها باعتبارها المدافع عن الفلسطينيين وعن "المقاومة"، في مقابل السلطة الفلسطينية.
وتقول الدراسة إن حماس تستثمر هذه الأحداث بسرعة عبر مقاطع الفيديو والبيانات والخطب والدعوات للتحرك، وتوزعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمساجد والعشائر.
كما تعمل، وفق الدراسة، على بناء بنية دينية واجتماعية في الضفة تشمل المساجد والجمعيات وحلقات الدراسة والجامعات، إلى جانب استغلال أزمة شرعية السلطة الفلسطينية، خصوصًا في المناطق التي يُنظر فيها إلى أجهزتها الأمنية باعتبارها متعاونة مع إسرائيل.
وترى الدراسة أن الحركة تحاول الربط بين سرديتين باتتا أكثر حضورًا خلال العام الماضي، هما "صمود غزة" و"تعرض الضفة لهجوم".
غياب البديل.. مفتاح استمرار النفوذ
وتخلص الدراسة إلى أن استمرار نفوذ حماس لا يرتبط فقط بقدراتها الذاتية، وإنما أيضًا بغياب سلطة بديلة قادرة على إدارة قطاع غزة.
فالحركة، بحسب التقرير، أعادت بناء أدوات نفوذها في الاقتصاد والمجتمع والأمن والفضاء الرقمي، ونجحت في الانتقال من نموذج الحكومة المركزية إلى شبكة أكثر مرونة وأقل تعرضًا للمساءلة المباشرة.
وترى الدراسة أن هذا النموذج يسمح لحماس بالتأثير في الحياة اليومية للسكان، من خلال التحكم في الموارد النادرة، وشبكات توزيع المساعدات، والمؤسسات المدنية، وآليات فرض النظام، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة من المسؤولية الرسمية عن إدارة القطاع.
وبناء على ذلك، تدعو الدراسة الولايات المتحدة وإسرائيل إلى العمل على إنشاء سلطة بديلة قادرة على إدارة غزة، وتمكين "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وإنشاء آليات مستقلة لتوزيع المساعدات وحركة السكان والسلع، إلى جانب الحد من نفوذ حماس داخل المؤسسات المدنية وتجفيف مصادر إيراداتها.
كما تحذر من أن أي سياسة تجاه غزة ينبغي أن تأخذ في الاعتبار تأثيرها على الساحة الفلسطينية الأوسع، خصوصًا في ظل مساعي الحركة للحفاظ على نفوذها في الضفة الغربية.