السلام في زمن المتطرفين
كتب - حميد قرمان
عقدت أولى المباحثات اللبنانية الإسرائيلية في مقر وزارة الخارجية الأميركية واشنطن؛ كخطوة دبلوماسية إيجابية ومهمة نحو إنهاء دوائر الصراع في الشرق الأوسط المثقل بعقد سياسية وعسكرية تحيط بمشهده، وتدفع بمستقبله نحو مزيد من الفوضى والدمار..
لا تقتصر عقبات السلام على الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو فحسب، بل تكمن معضلتنا الجوهرية اليوم في غياب حسم "الحالة المليشياوية" التي خلقتها إيران في مسعاها للهيمنة على مفاصل القرار في أربع عواصم عربية، إضافة إلى قطاع غزة.
إن منطقة تعج بالمتطرفين تستوجب تبني مقاربات سياسية عقلانية، مع التمسك بالثبات في المواقف والمسارات المؤدية لسلام شائك؛ فما يُطرح اليوم على طاولة المفاوضات من مرونة سياسية قد يحمي شعوبا في المستقبل، إذا ما توقفت المقاربات العسكرية عن استنزاف أرواح تتوق للسلام، تحت عنوان واحد فقط: الأرض تتسع للجميع.
مرّت قبل أيام الذكرى السادسة والعشرون لرحيل الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، وهي مناسبة تدعونا لاستحضار خطابه التاريخي في مدينة أريحا الفلسطينية، الذي لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل خارطة طريق استشرافية واجهت الواقع في الشرق الأوسط بالعقلانية والتخطيط.
دعا بورقيبة يومها إلى فهم موازين القوى الدولية، واعتماد سياسة 'المرحلية' (خذ وطالب) بدلاً من نهج "الكل أو لا شيء"؛ الذي أضاع الكثير من الفرص. ثانياً، مواجهة المزايدات: إذ حذّر بورقيبة مبكراً من الشعارات العاطفية ومن المزايدين الذين يستثمرون في مشاعر الشعوب دون رؤية واقعية، وهو ما أثبتت الأيام صحته. ثالثاً، النضال المرن: فقد آمن بأن مواجهة القوى المتفوقة تتطلب دهاءً سياسياً واستغلالاً للشرعية الدولية لانتزاع الحقوق تدريجياً.
لماذا يظل هذا الخطاب مرجعاً حتى اليوم؟ الجواب يتلخص في كلمة واحدة الواقعية، ما تتبناه القيادة الفلسطينية بالأمس بات مدعاة لنهج سياسي يدركه النظام السوري بقيادة الرئيس أحمد الشرع، والدولية اللبنانية بقيادة الرئيس جوزيف عون وحكومة نواف سلام، يعكس موقفا في حينه قرأ المستقبل في ستينيات القرن الماضي، مؤكداً أن الحرية تُنتزع بالحكمة تماماً كما تُنتزع بالتضحيات.
بعودة إلى بداية المقال، بات من الضروري أن يُصدر وزراء الخارجية العرب بيانات ترحيبية بهذه الخطوة؛ تأكيداً لدعم الدولة اللبنانية وسيادتها، بوصفها السبيل الحتمي لإنهاء نهج المليشيات، وتشجيعا للنظام السوري للمضيّ بذات المسار، وحثاً للإسرائيليين لإنهاء احتلال الدولة الفلسطينية القائمة بالقانون الدولي على حدود الرابع من حزيران العام ١٩٦٧.