تقرير دولي: الإمارات تعيد تعريف مفهوم القوة في النظام العالمي
قال تقرير دولي إن التجربة الإماراتية خلال العقدين الأخيرين أعادت تعريف مفهوم القوة داخل النظام الدولي، حيث لم تعد تُقاس فقط بعناصرها التقليدية مثل المساحة الجغرافية أو عدد السكان أو التفوق العسكري، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على أدوات نوعية مثل الاقتصاد المتنوع، والتكنولوجيا المتقدمة، وبناء الشراكات الاستراتيجية، والقدرة على التكيف داخل نظام دولي شديد التغير.
ويعكس هذا التحول ما تناقشه دراسات معاصرة حول "القوى المتوسطة" في عالم يتسم بتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وهو الإطار التحليلي الذي يقدمه مركز بيلفر للشؤون العلمية والدولية – كلية كينيدي بجامعة هارفارد في مقاربته الحديثة لدور الدول الصاعدة.
وضمن هذا السياق، يقدم التقرير قراءة معمقة لتحول الإمارات من دولة صغيرة ذات تأثير محدود إلى قوة متوسطة فاعلة في النظام الدولي. ويؤكد التقرير أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة استراتيجية طويلة المدى اعتمدت على التنويع الاقتصادي، وتوسيع النفوذ الدبلوماسي، وتوظيف التكنولوجيا والابتكار كأدوات قوة جديدة.
توضح الورقة البحثية الصادرة عن مركز بيلفر أن الإمارات استطاعت خلال أقل من عقدين تجاوز القيود التقليدية للقوة المرتبطة بالجغرافيا والسكان، لتصبح نموذجاً لدولة توظف "القوة النوعية" بدل "القوة الكمية"، فقد ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الإماراتي إلى مستويات غير مسبوقة، ما يعكس نجاح سياسة التنويع الاقتصادي التي أصبحت ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية.
تقدم اقتصادي
اقتصادياً، تبنت الإمارات نموذجاً قائماً على الانفتاح التجاري وربط الاقتصاد المحلي بالأسواق العالمية عبر موانئ ومناطق حرة وبنية لوجستية متقدمة. كما عززت الدولة حضورها في إفريقيا وآسيا وأوروبا عبر استثمارات ضخمة وشراكات اقتصادية طويلة الأمد، ما جعلها لاعباً محورياً في شبكات التجارة العالمية. ويشير التقرير إلى أن هذا التوسع الاقتصادي ترافق مع سياسة خارجية مرنة تقوم على “التحوط الاستراتيجي” وعدم الارتهان لمحور واحد في العلاقات الدولية.
على المستوى الجيوسياسي، يؤكد تقرير مركز بيلفر أن صعود الإمارات جاء في ظل تحولات عميقة في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الربيع العربي، وتغير خريطة القوى الإقليمية والدولية. فقد دفعت هذه التحولات أبوظبي إلى تبني سياسة خارجية أكثر فاعلية واستباقية، تعتمد على بناء التحالفات وتوسيع نطاق الشراكات مع قوى كبرى وصاعدة في آن واحد، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الإطار، برزت الإمارات كفاعل دبلوماسي يسعى إلى صياغة بيئة إقليمية أقل توتراً وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد والتنمية. وقد ساعدتها اتفاقيات “أبراهام” في إعادة تموضعها داخل معادلات الشرق الأوسط، عبر فتح قنوات تعاون جديدة مع إسرائيل، وتعزيز حضورها في مبادرات إقليمية عابرة للحدود مثل I2U2، بما يعكس تحولها من دولة متلقية للتغيرات إلى دولة صانعة لها.
اقتصادياً وتجارياً، توسعت الإمارات في مشاريع الربط الإقليمي والعالمي مثل “ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا”، ومبادرة “الحزام والطريق”، بما يعزز موقعها كمركز لوجستي عالمي. وتستفيد الدولة من بنيتها التحتية المتقدمة في الموانئ والطيران والخدمات المالية، ما جعلها نقطة تقاطع رئيسية في حركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
الذكاء الاصطناعي
في قطاع التكنولوجيا، تبرز الإمارات كواحدة من الدول الأكثر تقدماً في تبني الذكاء الاصطناعي، فقد أطلقت استراتيجيات وطنية طموحة تهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والأمن والدفاع، إلى جانب تأسيس مؤسسات بحثية متقدمة مثل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. كما طورت نماذج لغوية متقدمة متعددة اللغات، ما يعكس طموحها في أن تكون مركزاً عالمياً للابتكار الرقمي.
ويشير تحليل مركز بيلفر إلى أن هذا التقدم التكنولوجي لا ينفصل عن السياسة الخارجية الإماراتية، بل يمثل أحد أدواتها الأساسية في تعزيز النفوذ العالمي. إذ باتت “الدبلوماسية التكنولوجية” أحد مكونات القوة الناعمة للدولة، خاصة في ظل المنافسة العالمية على البنية التحتية الرقمية وسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي.
على صعيد الطاقة والمناخ، تبنت الإمارات استراتيجية مزدوجة تجمع بين كونها منتجاً رئيسياً للطاقة وبين قيادتها لجهود التحول نحو الطاقة النظيفة. وقد استثمرت في مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر والطاقة النووية السلمية، إلى جانب التزامها بالوصول إلى الحياد المناخي بحلول 2050. كما لعبت دوراً محورياً في استضافة مؤتمر المناخ “COP28”، الذي شكل محطة مهمة في صياغة التوافق العالمي حول التحول الطاقي.
وفي مجال الأمن الغذائي، وسعت الإمارات استثماراتها الزراعية عالمياً، وأنشأت سلاسل توريد غذائية تربطها بدول مثل الهند، لضمان استقرار الإمدادات الغذائية في ظل تقلبات الأسواق العالمية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن الأمن القومي لم يعد عسكرياً فقط، بل يشمل أيضاً الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد.
أما في ما يتعلق بالعلاقات الدولية، فيوضح تقرير مركز بيلفر أن الإمارات تتبنى نموذج “الانفتاح المتعدد” الذي يتيح لها الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة والصين في آن واحد، دون الانحياز الكامل لأي محور. هذا النموذج يمنحها مرونة استراتيجية تمكنها من التعامل مع عالم متعدد الأقطاب يتسم بتزايد التوترات الجيوسياسية.
وفي ختام التحليل، يؤكد التقرير أن الإمارات تمثل نموذجاً متقدماً لإعادة تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين. فهي لم تعد تعتمد فقط على الموارد التقليدية، بل على القدرة على الابتكار، وبناء الشبكات، والتأثير في القواعد العالمية. ويخلص مركز بيلفر إلى أن هذا النموذج يعكس اتجاهاً أوسع لدى القوى المتوسطة الصاعدة التي تسعى إلى لعب دور أكثر استقلالية وتأثيراً في النظام الدولي، بعيداً عن الاستقطاب الحاد بين القوى الكبرى.