الجريمة المنظمة وحرب العشائر.. صفحة سوداء في تاريخ لايبزغ وبرلين

بقلم: ميشيل سيروب

تتوزع في القارة الأوروبية أربع مدن ما زالت حتى اليوم بؤرًا ساخنة للجريمة المنظمة: أنتويربن البلجيكية، ومالمو في جنوب السويد، وأمستردام عاصمة هولندا، ومرسيليا على شواطئ المتوسط.

وفي العقد الأخير، انضمت لايبزغ، شرقي ألمانيا، إلى عالم الجريمة المنظمة والثراء السريع، بالتزامن مع وصول مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في عام 2015.

ولا تقتصر جني الثروات الطائلة في لايبزغ على تجارة المخدرات فقط، بل ثمة أساليب وطرق ملتوية تقف الحكومة الألمانية عاجزة عن مكافحة بعضها، من بينها التهرب الضريبي، وتهريب البشر، وتبييض الأموال، والسطو المسلح، والتجارة الممنوعة بالأحجار الكريمة والذهب.

الهجرة والجريمة

يستغل اليمين الألماني ظاهرة التحرش والعنف والجرائم التي يرتكبها اللاجئون لأغراض انتخابية، وتلوم أوساط اليمين السلطات لعدم جديتها وصرامتها في مكافحة الجريمة والتهرب الضريبي وتهريب البشر، كما تلقي هذه الأوساط باللوم على السلطات المحلية لفشل عملية الاندماج، خاصة بين الإناث.

ويساهم المهاجرون الذكور من الجالية السورية في ألمانيا في سوق العمل، ويتجلى حضورهم في القطاع الطبي، وتجارة التجزئة، وقطاع النقل، وأعمال البناء بنسبة 66%، بينما تساهم النساء بنسبة أقل بكثير من هذا الرقم في مختلف الأنشطة الاقتصادية.

ويُقدَّم هذان المؤشران كدليل على أن المهاجرين قادمون من بيئات تكون فيها مكانة المرأة أدنى من منزلة الرجل، إن لم تكن مكانتها معدومة في بعض البيئات السورية.

وتعود صعوبة تتبع هذه الأنشطة الإجرامية إلى أكثر من سبب، من بينها تماسك العائلة وفق نظام داخلي، وهيمنة الأب، أو «الزعيم»، على أفراد العشيرة بصرامة. وتلزم هذه الروابط القبلية والعشائرية أفرادها بالولاء للقانون العشائري، وليس للقانون الألماني.

وتقدّر بعض الأوساط الصحفية عدد أفراد هذه العصابات، التي تتكون من أربع عائلات كبيرة، بمئات الأشخاص. وتمتلك هذه العائلات محلات ومتاجر ومقاهي وبعض الصالات الرياضية، تُستغل كواجهات لنشاطها الإجرامي وتبييض الأموال.

جذور المسألة

شهدت ألمانيا في ثمانينيات القرن المنصرم، بعد الحرب الأهلية اللبنانية (1975-2000)، موجة لجوء كبيرة نحو برلين وبريمن ومناطق الراين ودرسدن، وشهدت تلك المدن موجات من الهجرة أقل تواترًا من موجة الهجرة السورية.

وبعد الانتفاضة السورية عام 2011، بلغت موجة اللجوء ذروتها في عام 2015، بعد أن وافقت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل على استقبال أكبر عدد ممكن من اللاجئين. وحسب تقديرات مكتب الإحصاء الألماني، بلغت أعداد اللاجئين خلال شهرين نحو ثمانمائة ألف لاجئ.

واكتشفت هذه العائلات طرق اللجوء، وكرّست جهودها لتهريب البشر لقاء مبالغ مالية مجزية، عبر طريق يبدأ من لبنان وتركيا، مرورًا باليونان وصربيا وهنغاريا ثم النمسا، وصولًا إلى ألمانيا.

كما جنت هذه العائلات مبالغ طائلة مستفيدة من ثغرات في القانون الألماني، ومن عدم قدرة المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية على اختراق هذه العائلات من الداخل.

وسّعت عائلات العشائر نشاطاتها حتى امتهنت تزوير الوثائق والسطو المسلح. وفي عام 2019، سُرق متحف درسدن، ووجّهت أصابع الاتهام إلى هذه العائلات، ناهيك عن التجارة الممنوعة.

وتغوّلت هذه العائلات في لايبزغ، وتنامى نشاطها الإجرامي في أكثر من ولاية، مستفيدة من سهولة التنقل بين الولايات، ومن حرية التنقل داخل القارة الأوروبية دون قيود، وأصبحت عصابات عابرة للحدود.

لذلك، سعت سلطات إنفاذ القانون إلى التنسيق مع إدارة الجمارك للحد من ظاهرة تهريب البشر، من خلال التدقيق في وثائق المسافرين عبر المطارات والمنافذ البرية، وتفتيش المركبات الكبيرة، خاصة القادمة من ميناءَي أنتويربن وروتردام.

يحدث في ألمانيا الآن

بالتزامن مع هذه الظاهرة، تشهد برلين ظهور مجموعات إجرامية أكثر عنفًا وخطورة، توصف بأنها «مافيا الجيل Z التركية»، وتعتمد على ابتزاز الجالية التركية والكردية، وتفرض أتاوات على المشاريع والمحلات التي تحقق أرباحًا عالية، مع التهديد بالقتل والانتقام من أفراد العائلة.

هاتان الظاهرتان، حرب العشائر والمافيا التركية، تقلقان السلطات الألمانية، وتتعامل الشرطة معهما بجدية وحيطة، كون هذه المافيات لا تتوانى عن تنفيذ جرائم القتل وإشعال الحرائق في حال إبلاغ الشرطة أو سلطات إنفاذ القانون.

ويحتدم النقاش في ألمانيا، وفي فرنسا وهولندا أيضًا، بين أوساط الأحزاب الداعمة للهجرة والأحزاب اليمينية أو أحزاب يمين الوسط الرافضة للهجرة، حول فشل المقاربة الأمنية في معالجة ظاهرة الجريمة المنظمة.

ولا تنفي بعض الأحزاب فشل المدرسة ودورات الاندماج في التأثير على الجيل الثالث من الشباب، خاصة فئة الفتيات. وتتّبنى بعض الأحزاب موقف حزب «ديمقراطيي السويد»، الذي يزعم أن الجريمة تنامت في أوروبا بعد موجات الهجرة المتتالية من أفغانستان والعراق وسوريا، دون الأخذ بعين الاعتبار مساهمة هذه الجاليات في ميادين العمل، وفي مجال العمالة غير الماهرة، ولا سيما في أعمال البناء والمشافي والأعمال ذات الطابع غير الصحي، التي يأنف الأوروبيون العمل بها أصلًا.

ويعتمد خطاب اليمين الشعبوي في ألمانيا على معاداة الديمقراطية وإلقاء اللوم على المهاجرين، وتُعد ولاية ساكسونيا-أنهالت نموذجًا لذلك. وقد بلغ هذا الخطاب مبلغًا غير مسبوق، مع الدعوة إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومعاداة المهاجرين بشكل صريح في الصحافة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

هل ثمة صلة بين الجريمة المنظمة وجنوح اليمين نحو التطرف السياسي؟

نعم، ثمة علاقة متينة بين الطرفين؛ فكلاهما يعادي الديمقراطية.

وتبقى المعالجة رهن السلطات على صعيد أوروبا قاطبة، فالظاهرة ليست على مستوى ألمانيا فقط، وإنما هي أزمة سياسية تجتاح أوروبا بأكملها.

وبالاعتذار من كارل ماركس: الشبح الذي يهدد أوروبا اليوم هو شبح اليمين، وليس شبح الطبقة العاملة.

Previous
Previous

مشاهد من قصف الطيران اليمني لمعسكر الاستقبال التابع للحوثيين في تعز

Next
Next

أربيل وطريق التنمية العراقي.. موقع استراتيجي على ممر التجارة نحو أوروبا