أربيل وطريق التنمية العراقي.. موقع استراتيجي على ممر التجارة نحو أوروبا
تتجه الأنظار إلى أربيل بوصفها طرفًا مؤثرًا في مستقبل "طريق التنمية" العراقي، المشروع الطموح الذي يستهدف ربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بتركيا ومنها إلى أوروبا، وتحويل العراق إلى محور للنقل والتجارة الإقليمية. وبينما لا يزال المسار النهائي للطريق في شمال العراق موضع نقاش بين بغداد وأربيل، يفتح المشروع أمام إقليم كردستان فرصة للانخراط في واحد من أبرز مشاريع الربط التجاري التي يجري العمل عليها في المنطقة.
وتناول تقرير حديث للمجلس الشرق أوسطي للشؤون الدولية، مستقبل "طريق التنمية" والتحديات التي تواجهه، معتبرًا أن الخلاف بين بغداد وأربيل بشأن المسار الشمالي للطريق يمثل أحد ثلاثة ملفات كردية مترابطة ستؤثر في مدى قدرة المشروع على التقدم، إلى جانب مسار الحوار بين تركيا وحزب العمال الكردستاني والتطورات المتعلقة بالقوى الكردية في شمال شرق سوريا.
مسار شمالي يضع أربيل في قلب المشروع
ويربط "طريق التنمية" ميناء الفاو الكبير بشبكة من الطرق والسكك الحديدية الممتدة شمالًا، وصولًا إلى تركيا وأوروبا، مع تصور لإنشاء مراكز لوجستية ومناطق صناعية وموانئ جافة ومناطق تجارة حرة على امتداد المسار.
وبالنسبة إلى أربيل، تتركز المسألة الأساسية في تحديد موقع إقليم كردستان ضمن هذا الممر. فوفق التقرير، يتجاوز المسار المطروح حاليًا عددًا من المناطق الرئيسية في الإقليم، بينها أربيل ودهوك، ويتجه إلى تركيا عبر معبر جديد مقترح بين العراق وتركيا في منطقة فيشخابور/أوفاكوي، مع مرور جزء محدود من الطريق داخل أراضي إقليم كردستان.
وتسعى أربيل إلى إدخال جزء من المسار عبر دهوك، وهو ما قد يضيف كلفة إلى المشروع بسبب طبيعة المنطقة الجغرافية، لكنه في المقابل يمكن أن يحقق مكاسب سياسية واقتصادية على المدى الطويل، من خلال إشراك الإقليم بصورة أكبر في المشروع وتخفيف حدة الخلاف بين بغداد وأربيل بشأن المسار.
ويرى التقرير أن التوصل إلى صيغة يتفق عليها الطرفان يمكن أن يخدم المشروع نفسه، خصوصًا أن أنقرة لا تعارض، بحسب التحليل، أي ترتيب تتوافق عليه بغداد وأربيل طالما ظل تنفيذ "طريق التنمية" يتقدم.
فرصة اقتصادية للإقليم
ولا تقتصر أهمية مشاركة أربيل في الطريق على مرور السكك الحديدية أو الطرق عبر أراضي الإقليم، إذ يمكن أن تمتد إلى إقامة أنشطة اقتصادية وخدمية مرتبطة بالممر التجاري.
ويشير تقرير المجلس الشرق أوسطي للشؤون الدولية إلى أن القيمة الأكبر لـ"طريق التنمية" لا تكمن فقط في عوائد نقل البضائع عبر الأراضي العراقية، وإنما في الأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ حوله، بما في ذلك المراكز اللوجستية والموانئ الجافة والمناطق الصناعية والتجارية والخدمات المرتبطة بالنقل.
ومن هذا المنظور، يمكن أن يوفر إشراك المناطق الكردية في المسار فرصة لتطوير منظومة اقتصادية مرتبطة بالتجارة العابرة للحدود، تشمل التخزين والتغليف والتجميع وسلاسل التبريد والصيانة والخدمات اللوجستية، إلى جانب استقطاب استثمارات جديدة إلى المناطق الواقعة على امتداد الطريق.
ويمنح موقع إقليم كردستان الجغرافي أهمية إضافية في هذا السياق، إذ يقع في شمال العراق على مقربة من الحدود التركية، ما يجعل أي ارتباط مباشر بين "طريق التنمية" وشبكات النقل التركية ذا انعكاسات محتملة على حركة التجارة والاستثمار في الإقليم.
من طريق للنقل إلى مساحة للتكامل
ويطرح المشروع، وفق التقرير، تصورًا يتجاوز إنشاء طريق سريع أو خط للسكك الحديدية، باتجاه بناء شبكة اقتصادية أوسع يمكن أن تربط مراكز الإنتاج والتجارة في العراق بتركيا والأسواق الأوروبية.
وتكمن أهمية ذلك بالنسبة إلى أربيل في أن بقاء الإقليم خارج المسار الرئيسي قد يعني فقدان جزء من العوائد الاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن المشروع، بينما قد يؤدي إدماجه في الطريق إلى توسيع دائرة المستفيدين منه وتعزيز الترابط الاقتصادي بين بغداد وإقليم كردستان.
وفي هذا السياق، يمكن للتفاهم بشأن المسار الشمالي أن يتحول من ملف خلافي بين بغداد وأربيل إلى أحد مجالات التعاون الاقتصادي، خصوصًا إذا اقترن بتوزيع واضح للأدوار والمنافع المرتبطة بالمشروع.
ويشير التقرير إلى أن "طريق التنمية"، إذا تم تنفيذه ضمن منظومة إنتاجية متكاملة، يمكن أن يساهم في خلق وظائف رسمية، ودعم قطاعات صناعية وخدمية جديدة، وتعزيز أداء المؤسسات العراقية في مجالات الجمارك والتنظيم والخدمات، إلى جانب زيادة الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة.
تركيا وأربيل.. عامل جغرافي في المعادلة
وتحتل تركيا موقعًا محوريًا في مستقبل "طريق التنمية"، باعتبارها نقطة العبور التي يستهدف المشروع الوصول إليها قبل امتداده إلى أوروبا. وتعد أنقرة، وفق التقرير، أحد أكثر الشركاء الخارجيين انخراطًا في المشروع، بعدما انتقلت العلاقات العراقية-التركية خلال السنوات الأخيرة من التركيز على الملفات الأمنية إلى أجندة أوسع تشمل البنية التحتية والتنمية والتجارة.
وتبرز هنا أهمية المسار الذي يربط شمال العراق بتركيا، إذ إن اختيار نقطة العبور ومسار الطريق داخل الأراضي العراقية ستكون لهما انعكاسات اقتصادية وسياسية على مختلف الأطراف، وفي مقدمتها بغداد وأربيل وأنقرة.
وبالنسبة إلى إقليم كردستان، فإن إدماجه في شبكة الربط التجاري بين العراق وتركيا يمكن أن يمنحه دورًا أكبر في حركة التجارة الإقليمية، بدل أن يظل المشروع ممرًا يعبر الأراضي العراقية من دون استفادة مباشرة من المناطق الكردية الواقعة على مقربة من مساره الشمالي.
طريق التنمية وأفق أوسع للمنطقة
ولا يستبعد التقرير أن تمتد فوائد "طريق التنمية" مستقبلًا إلى خارج العراق وتركيا، خصوصًا في حال حدوث استقرار أكبر في سوريا وتطور ترتيبات العلاقة بين الحكومة السورية والقوى الكردية في شمال شرق البلاد.
وفي حال تحسن البيئة الأمنية والسياسية، يمكن أن تظهر في المستقبل مسارات فرعية تربط العراق بسوريا، ومنها إلى تركيا، بما يوسع نطاق الممر التجاري ويمنحه امتدادات جديدة نحو الأسواق الإقليمية والأوروبية.
ولا تزال هذه الاحتمالات مرتبطة بتطورات سياسية وأمنية معقدة، إلا أن التقرير يرى أن نجاح مشروع بهذا الحجم يمكن أن يوفر حوافز اقتصادية جديدة للاستقرار، خصوصًا في المناطق التي عانت من الصراعات خلال السنوات الماضية.
وبالنسبة إلى أربيل، فإن المشاركة في هذا المسار لا تعني فقط الاستفادة من مشروع نقل جديد، وإنما إمكانية التحول إلى جزء من شبكة اقتصادية إقليمية أوسع، تستفيد من موقع الإقليم بين العراق وتركيا ومن قدرته على الارتباط بحركة التجارة العابرة للحدود.
شراكة محتملة بدلًا من التجاوز
ويظل الخلاف حول المسار الشمالي أحد الملفات التي تحتاج إلى تفاهم بين بغداد وأربيل قبل أن تتضح الصورة النهائية لـ"طريق التنمية". لكن التقرير يطرح إمكانية النظر إلى المشروع باعتباره فرصة لبناء مصالح اقتصادية مشتركة، بدل أن يتحول مساره إلى مصدر جديد للخلاف.
وتكمن أهمية هذا الخيار في أن "طريق التنمية"، إذا نجح في الوصول إلى مرحلة التنفيذ الكامل، لن يكون مجرد بنية تحتية لنقل البضائع، وإنما شبكة اقتصادية تمتد من جنوب العراق إلى شماله، ثم إلى تركيا وأوروبا، بما يجعل المناطق الواقعة على مساره جزءًا من منظومة أوسع للتجارة والاستثمار.
ومن هذه الزاوية، تبدو أربيل معنية بشكل مباشر بتحديد شكل المسار الشمالي، ليس فقط بسبب موقعها السياسي والجغرافي، وإنما أيضًا لما يمكن أن يوفره المشروع من فرص للقطاع الخاص والخدمات اللوجستية والصناعة والتجارة.
ومع استمرار النقاش حول المسار، يظل إدماج إقليم كردستان أحد العوامل التي يمكن أن تحدد طبيعة العوائد الاقتصادية للمشروع داخل العراق. فإذا نجحت بغداد وأربيل في التوصل إلى صيغة توافقية، فقد يتحول الطريق من مشروع يمر عبر العراق إلى مشروع تستفيد منه مناطق العراق المختلفة، وتشارك في تشكيل مساراته الاقتصادية نحو تركيا وأوروبا.