كيف أربك اعتقال مادورو حسابات إيران؟

أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس من قبل قوات أميركية في أول أيام يناير 2026 ردود فعل واسعة على مستوى السياسة العالمية، وأربك بشكل خاص الحسابات الاستراتيجية للنظام الإيراني، كما سلطت الضوء عليه جريدة «وول ستريت جورنال» في تحليل معمَّق.

العملية التي نفذتها الولايات المتحدة وقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تقتصر على استهداف رئيس دولة في أميركا اللاتينية، بل حملت إشارات سياسية وجيوستراتيجية متعددة الأبعاد امتدت تأثيراتها إلى الشرق الأوسط، حيث تلعب طهران دورًا محوريًا في شبكات النفوذ الإقليمية والدولية.

الضربة الأكثر جرأة في السياسة الخارجية الأميركية الحديثة

أوضحت «وول ستريت جورنال» أن اعتقال مادورو يُعد أكثر العمليات جرأة في السياسة الخارجية الأميركية خلال عهد ترامب، ليس فقط بسبب طابعه العدائي لحليف سياسي، لكن أيضًا لأنه تم تجاهل الأعراف الدبلوماسية التي تحمي رؤساء الدول. هذه الخطوة أعادت طمأنة واشنطن بأنها على استعداد لاستخدام القوة أو الضغط الاستراتيجي حتى في ملفات بعيدة عن محيطها التقليدي إذا اعتبرت ذلك ملائمًا لأمنها أو مصالحها.

العملية جاءت مباشرة بعد تحذير ترامب من التدخل إذا استخدمت الحكومة الإيرانية العنف ضد المتظاهرين في الداخل، مما وضع القيادة الإيرانية في موقف اضطراري لإعادة تقييم مدى قدرة الإدارة الأميركية على تنفيذ تهديداتها، وإمكانية انتقال نمط مماثل من التدخل إلى مناطق حيوية بالنسبة لطهران.

إيران في مواجهة تراجع النفوذ وارتدادات اعتقال مادورو

لم تكن فنزويلا مجرد صديق سياسي لطهران، بل شكلت منصة لوجستية واقتصادية واستراتيجية يمكن لطهران أن تدعم من خلالها مشاريعها في أميركا اللاتينية. لقد اعتُبرت كاراكاس جبهة خلفية يمكن استخدامها لتخفيف أثر العقوبات الأميركية، وتوسيع نفوذها من خلال شبكات دعم لعناصر محسوبة على محور المقاومة أو في نشاطات دفاعية وتقنية.

صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت إلى أن إيران كانت تعول على استمرار وجود مادورو، ليس فقط كحليف سياسي، بل كحلقة في منظومة العلاقات الاقتصادية والعسكرية التي سخرت لردع واشنطن، وتوفير مساحة إرث لمخابراتها وأذرعها في نصف الكرة الغربي. ومع اختفاء هذا الحليف من المشهد، يجد النظام الإيراني نفسه أمام احتمال تقليص نفوذه وتراجع خياراته الإقليمية.

القيادة الإيرانية، التي كانت قد تكبّدت خسائر عسكرية واستراتيجية في العام الماضي، خصوصًا بعد ضربات عسكرية نفذت ضد قدراتها النووية ومواقعها الدفاعية، وجدت نفسها مضطرة لإعادة تقييم أولوياتها وحساباتها، لأن السيناريو الذي ظهر مع مادورو قد يُمثل نموذجًا جديدًا في التعاطي الأميركي مع خصومه.

داخل إيران: قلق من تصعيد واضطراب داخلي

في الداخل الإيراني، جاء اعتقال مادورو في وقت حساس للغاية، إذ كانت طهران تكافح احتجاجات واسعة بسبب الانهيار الاقتصادي وتدهور العملة، مما دفعها إلى تبني مواقف متقلبة بين التهديد بالعنف تجاه المتظاهرين ومحاولة إظهار بعض الاستجابة لشكاوى المواطنين.

قادة إيران أدانوا ما وصفوه بـ«الإرهاب الدولي» الأميركي، ودعوا الأمم المتحدة للتدخل لوقف ما اعتبروه عدوانًا غير قانونيًا في فنزويلا، وهو ما يعكس مدى القلق الهيكلي في النظام من تأثيرات هذه الخطوة على شرعيته. كما ظهر نفور واضح تجاه احتمال أن يعتبر قرار واشنطن نموذجًا يُستهدَف به النظام الإيراني نفسه.

المظاهرات التي انتشرت في أكثر من 60 مدينة في إيران بعد اعتقال مادورو، والوفيات التي شهدها عدد من المتظاهرين، أثارت شكوكًا داخل أوساط النظام حول استمرار قدرة القيادة على احتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية دون أن تنسحب في مواجهة مفتوحة مع محتجين يرون في واشنطن شريكًا في تغيير الأوضاع السياسية.

الرسالة الأميركية: الردع على مستوى عالمي

رأت «وول ستريت جورنال» أن اعتقال مادورو أرسل رسالة متعددة الطبقات إلى إيران: أولًا، أن الولايات المتحدة قادرة على تجاوز الأعراف الدبلوماسية حين ترى مصالحها مهدَّدة أو أن النظام الذي تدعمه لن يستقر في دور موائم للأهداف الأميركية. ثانيًا، أن واشنطن قد لا تتردد في استخدام تهديداتها السابقة، مثل التهديد بالتدخل لدعم محتجين في الداخل الإيراني، بما يشمل التحرك العسكري أو عمليات مشابهة إذا لزم الأمر.

كما أن هذه الخطوة كانت بمثابة دعوة لاستعادة التوازن الاستراتيجي في مواجهة تحركات طهران في مناطق عديدة من العالم، إذ اعتبر المحللون أن ترامب أراد إظهار أن سياساته لا تقتصر على الشرق الأوسط فقط، بل تمتد لتشمل أي تهديد ترى الإدارة الأميركية أنه ينبغي مواجهته بقوة.

تداعيات محتملة على علاقات إيران الخارجية

تُظهر قراءة التحليل أن طهران ستواجه خيارات صعبة في المرحلة المقبلة. فالأنظمة التي كانت تعتمد على دعمها المباشر أو غير المباشر من كاراكاس قد تعيد تقييم تحالفاتها، بينما قد تجد إيران نفسها مضطرة لتكثيف جهودها في مناطق أخرى لتعويض الخسائر المحتملة في نفوذها الأميركي اللاتيني.

وعلى الصعيد الدولي، من المرجح أن تصعيد واشنطن يثير توتر العلاقات مع قوى كبرى أخرى مثل روسيا والصين، اللتين أعلنا اعتراضهما على الاعتقال واعتبراها انتهاكًا للسيادة الوطنية لما لها من تبعات على الاستقرار الدولي، وهو ما يعني أن إيران ليست الوحيدة التي ستعيد حساباتها في ضوء هذا التحول العالمي الكبير.

خلاصة: اعتقال مادورو وتحديات إيران المستقبلية

يبين تحليل «وول ستريت جورنال» أن اعتقال الرئيس مادورو في كاراكاس لم يكن حدثًا معزولًا في العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وفنزويلا فحسب، بل مثل صدمة جيوسياسية لإيران التي باتت تواجه احتمال انتقال نمط الضغط الأميركي إليها في خضم أزمات داخلية واقتصادية تضعف من قدرتها على مواجهة أي تصعيد خارجي.

كما يعكس هذا الحدث أن السياسات الأميركية الحالية يمكن أن تتخذ نهجًا غير متوقع وغير تقليدي في مواجهة خصومها، مما يضيف بعدًا جديدًا للعبة القوة الدولية، ويطرح سؤالًا مهمًا بشأن مدى استعداد النظام الإيراني لإعادة تشكيل استراتيجيته الدفاعية والسياسية في ضوء ما أصبح يُعد نموذجًا جديدًا من الردع الأميركي في العالم.

Previous
Previous

الخبير القانوني في مجال حقوق الإنسان معتصم: من الضروري إيجاد منهجية للحد من خطاب الكراهية في سوريا

Next
Next

من السياحة إلى النبيذ.. شركات تتعثر داخل متاهة التغير الثقافي في سوريا