من السياحة إلى النبيذ.. شركات تتعثر داخل متاهة التغير الثقافي في سوريا
في قلب الشارع التجاري على كورنيش مدينة طرطوس الساحلية، يواجه أصحاب المتاجر وأعمال الضيافة في سوريا تحديات غير مسبوقة مع استمرار مسيرة التحول السياسي والاقتصادي بعد سقوط نظام بشار الأسد.
بعد أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية ونهاية حكم أسرة الأسد الذي دام خمسين عامًا، تقف البلاد أمام مرحلة جديدة في محاولات إعادة بناء الحياة الاقتصادية في ظل حكومة يقودها تحالف من جماعات إسلامية تحفظت عند بعض القضايا الاقتصادية والثقافية، وفق تقرير نشرته صحيفة «ذا غارديان».
سياحة متعثرة بعد انسحاب الزبائن
في طرطوس، كانت المحلات التي تبيع التذكارات والمنتجات السياحية تعتمد إلى حد كبير على الزوار والرحالة، بمن فيهم الجنود الروس وبعض السياح من لبنان وأمريكيين مهتمين بوثائق الحرب. غير أن هذه الفئة من الزبائن اختفت تدريجيًا مع انتقال السلطة وتحول الاقتصاد إلى حالة من التردّد وعدم الاستقرار، ما ترك المتجر الذي يملكه «أبو علي» يكافح للبقاء واقفًا، بحسب «ذا غارديان». يقول صاحب المتجر إن العملاء قلت أعدادهم، ويعلق: «نحتاج فقط إلى المزيد من الأمن وأمور ستتحسن».
وقد أبدل هذا التاجر بضائعه التي كانت تتضمن ملصقات وصورًا شهدت عهد الأسد، بعناصر تذكارية جديدة تحمل رموز الثورة السورية وشعاراتها، في محاولة للحفاظ على الصلة بسياق ما بعد الأسد. لكن انخفاض السياحة انعكس مباشرة على حجم المبيعات، ما يدل على هشاشة قطاع يعتمد بشكل كبير على الزوار وتدفقهم.
النبيذ في سوريا: صناعة قديمة تفتقد القواعد
في التلال المحيطة بطرطوس، يقف مصنع نبيذ «جارجور» كواحد من أقدم مصانع النبيذ في سوريا، حيث كان ينتج ما يصل إلى 50 ألف زجاجة سنويًا ويستقطب مجموعات سياحية وزوارًا أجانب. بعد سقوط الأسد، توقفت المبيعات بشكل شبه كامل، ليس بسبب رفض المنتج أو غياب الطلب، بل نتيجة غياب قانون واضح ينظّم بيع الكحوليات في سوريا الجديدة، وفق ما أوردته «ذا غارديان».
مالك المصنع، شادي جرجور، يؤكد أن الإنتاج نفسه لم يتوقف، لكن غياب تشريع قانوني يعوق البيع داخل البلاد: «لم أبع شيئًا منذ ديسمبر 2024، وإذا لم يُسن قانون قبل نهاية الشهر المقبل، سأواجه عامين تقريبًا من الخسائر».
التناقض واضح؛ فمن جهة لم تُفرض حظر رسمي على استيراد الكحول، لكن السلطات السورية تقوم بتفتيش الحقائب الشخصية وإفراغ المشروبات، وتغلق الحانات بشكل تعسفي بحجة عدم وجود رخصة صالحة، حتى لو أعيد فتحها لاحقًا بعد احتجاج أصحابها.
الحانات والحياة الليلية: مشهد مختلط
رغم الضبابية في القواعد، لا تزال بعض جوانب الحياة الليلية حاضرة في العاصمة دمشق، حيث تستمر الحفلات الموسيقية والاحتفالات الليلية في البيوت والأسقف المفتوحة. يروي أحد أصحاب الحانات قصته مع السلطات بأنه اضطر لإغلاق مكانه لأيام قبل أن يُسمح له بالعودة للعمل دون سبب قانوني واضح سوى أنه «تعلم درسًا» من البقاء مفتوحًا خلال شهر رمضان؛ ما يعكس نوعًا من الارتباك التنظيمي وعدم وضوح السياسات في المرحلة الحالية، حسب «ذا غارديان».
ثقافة جديدة في ظل سلطة مترددة
بعد سنوات من رقابة صارمة وقيود ثقافية تحت حكم الأسد، بدأ السوريون يستفيدون من المساحات الجديدة نسبيًا من الحريات، إذ يشهد الوسط الثقافي حراكًا متزايدًا في المسرح والموسيقى والتعبير الفني الذي كان يعاقب عليه في الماضي. ومع ذلك، هناك توتر دائم بين السعي نحو الحرية وقلق من إعادة فرض رقابة أخلاقية أو دينية تحت ضغوط بعض الجماعات المحافظة داخل السلطة الجديدة.
في دمشق، عبّر البعض عن خوفهم من تأثير الفصائل الإسلامية التي ساهمت في إسقاط النظام على الخلفية الثقافية للمدينة، بينما أبدى آخرون دراية متزايدة بضرورة مواءمة حياتهم العامة مع قواعد جديدة قد تفرضها السلطة.
آفاق المستقبل: أمل وسط الشكوك
على الرغم من الصعوبات، يظل عدد من أصحاب الأعمال متفائلين. شادي جرجور ما زال يرى إمكانات كبيرة لتوسيع مصنعه وتحويله إلى علامة تجارية سورية لها حضور في الأسواق الإقليمية وحتى العالمية، إذا ما توفرت البيئة القانونية المناسبة لتشغيل المبيعات والتصدير.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن سوريا تحتاج إلى إطار قانوني واضح ومستقر لبقية القطاعات الاقتصادية، ليس فقط لتشجيع الإنتاج المحلي وإنما لجذب استثمارات خارجية وتعزيز دور القطاع الخاص في إعادة إعمار البلاد بعد سنوات من الحرب. وهذا يشمل قوانين واضحة حول التجارة، الاستثمارات، الضرائب، ورعاية الشركات الناشئة في قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا والخدمات، التي تشهد اهتمامًا متزايدًا بين السوريين رغم التحديات الموجودة.
خلاصة
السياق السوري بعد سقوط نظام الأسد يدخل مرحلة جديدة تتطلب التوازن بين الحريات الجديدة وتنظيم السوق. يواجه القطاع الخاص تداخلات كثيرة، من غياب تشريع واضح حول قطاعات اقتصادية حساسة مثل الكحوليات، إلى تعقيدات في تنظيم الحانات والأنشطة الليلية، إلى التأقلم مع هوية تجارية وسياحية جديدة بعيدًا عن التذكارات السياسية القديمة، وفق ما رصده تقرير «ذا غارديان».
في هذه الأجواء من التغيير والتردد والفرص المشروطة بوجود سياسات واضحة، يظل سؤال الاستقرار القانوني والاقتصادي محور اهتمام السوريين الذين يسعون لإعادة بناء بلادهم من خلال أعمالهم التجارية والابتكارية، وسط رغبة صادقة في تحويل تحولات ما بعد الحرب إلى فرص تنموية مستدامة.