هل يفتح اتفاق "كونوكو فيليبس" الباب أمام إحياء قطاع الطاقة في سوريا؟
تستعد شركة "كونوكو فيليبس" الأميركية لتوقيع اتفاق مع الحكومة السورية لتطوير حقول الغاز القائمة واستكشاف احتياطيات جديدة، في خطوة قد تمثل محطة مهمة ضمن مساعي دمشق لإعادة إحياء قطاع الطاقة الذي تعرض لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب والعقوبات.
ووفقاً لما نقلته صحيفة "فاينانشال تايمز"، فإن الاتفاق المرتقب سيجمع "كونوكو فيليبس" وشركة "نوفاتيرا إنرجي" مع الشركة السورية للنفط، بهدف تطوير حقول الغاز الحالية والبحث عن مكامن جديدة، استكمالاً لمذكرة تفاهم وُقعت بين الأطراف خلال عام 2025. ومن المتوقع أن يتم توقيع الاتفاق النهائي خلال الأيام القليلة المقبلة.
ويأتي هذا التحرك في وقت تسعى فيه السلطات السورية إلى استقطاب استثمارات أجنبية لإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة التي تضررت بشدة نتيجة أكثر من عقد من الصراع، الأمر الذي أدى إلى تراجع إنتاج النفط والغاز وانعكس بشكل مباشر على قطاع الكهرباء والخدمات الأساسية.
وتشير تقديرات نشرتها تقارير دولية إلى أن إنتاج الغاز السوري انخفض بشكل حاد مقارنة بمستوياته قبل عام 2011، بينما باتت البلاد تعتمد بشكل متزايد على الواردات لتغطية جزء من احتياجاتها من الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء. كما تحدثت مصادر مطلعة عن أن الاتفاق مع كونوكو فيليبس قد يسهم في زيادة إنتاج الغاز بنحو 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال الفترة الأولى من التنفيذ، وهو ما يمثل دفعة مهمة لقطاع الطاقة السوري.
ولا يقتصر الاهتمام الدولي على حقول الغاز البرية، إذ شهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الاتفاقات المتعلقة بالاستكشاف البحري في المياه الإقليمية السورية. ففي مايو الماضي وقعت كونوكو فيليبس إلى جانب شركتي توتال إنرجيز الفرنسية وقطر للطاقة مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط لإجراء مراجعة فنية للبلوك البحري رقم 3 قبالة سواحل اللاذقية في شرق البحر المتوسط.
ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها بداية لعودة شركات الطاقة العالمية إلى السوق السورية بعد سنوات طويلة من الغياب، خاصة أن منطقة شرق المتوسط تحولت خلال العقد الأخير إلى واحدة من أبرز مناطق استكشاف الغاز في العالم، مع تحقيق اكتشافات كبيرة في المياه الإقليمية لعدد من الدول المجاورة.
ويؤكد مراقبون أن اهتمام الشركات الدولية بسوريا لا يرتبط فقط بالإنتاج الحالي، بل أيضاً بالإمكانات المستقبلية غير المستكشفة. فقد صرح مسؤولون في قطاع النفط السوري خلال الأشهر الماضية بأن أجزاء واسعة من الأراضي السورية والمياه البحرية لم تخضع بعد لعمليات استكشاف شاملة، ما يفتح المجال أمام اكتشافات جديدة قد تغير خريطة الطاقة في البلاد على المدى الطويل.
وفي السياق ذاته، أعلنت دمشق خلال الأشهر الماضية عن اتفاقات ومباحثات مع شركات دولية أخرى، من بينها شيفرون الأمبركية وشركات إقليمية ودولية تعمل في مجالات التنقيب والتطوير والإنتاج. وتعكس هذه التحركات توجهاً حكومياً واضحاً نحو إعادة دمج قطاع الطاقة السوري في الأسواق العالمية وجذب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية.
ويكتسب ملف الغاز أهمية خاصة بالنسبة لسوريا نظراً لارتباطه المباشر بإنتاج الكهرباء. فالكثير من محطات التوليد تعتمد على الغاز الطبيعي، كما أن أي زيادة في الإنتاج المحلي يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتحسين ساعات التغذية الكهربائية التي عانى منها المواطنون لسنوات طويلة.
ورغم التفاؤل الذي يحيط بالاتفاقات الجديدة، فإن نجاحها سيظل مرتبطاً بجملة من العوامل، من بينها قدرة الشركات على تنفيذ أعمالها ميدانياً، واستقرار البيئة الاستثمارية، وتوفير التمويل اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة. كما أن عمليات الاستكشاف والتطوير تحتاج عادة إلى سنوات قبل أن تنعكس بشكل ملموس على مستويات الإنتاج.
ومع ذلك، يرى خبراء أن عودة شركات كبرى مثل "كونوكو فيليبس" و"توتال إنرجيز" وقطر للطاقة إلى العمل في سوريا تمثل مؤشراً على تنامي الثقة بإمكانية تعافي قطاع الطاقة، وهو قطاع يُنظر إليه باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لدعم الاقتصاد السوري وتمويل جهود إعادة الإعمار خلال السنوات المقبلة.
وفي حال نجحت الاتفاقات المعلنة في تحقيق أهدافها، فقد تشهد سوريا مرحلة جديدة من النشاط في قطاع النفط والغاز، بما يساهم في تعزيز أمن الطاقة وتحسين إمدادات الكهرباء وخلق موارد إضافية للاقتصاد الوطني بعد سنوات طويلة من التراجع.