مع تجدد الضربات الأميركية.. هل تواجه إيران تمرداً محلياً؟
بينما تعود المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة على خلفية التصعيد في مضيق هرمز، تجد طهران نفسها أمام تحدٍ لا يقل خطورة عن الضغوط الخارجية، يتمثل في تصاعد التوتر داخل إقليم سيستان وبلوشستان، أحد أكثر الأقاليم هشاشة واضطراباً في البلاد، فالتزامن بين الضربات الأميركية وتشديد القبضة الأمنية على المناطق الطرفية يثير تساؤلات حول قدرة النظام الإيراني على احتواء الضغوط المتزامنة، وما إذا كانت الأزمة الداخلية مرشحة للتحول إلى تهديد أمني أوسع.
ويرى الباحث سامند محمد شاهي، في تحليل نشره منتدى فكرة التابع لمعهد واشنطن، أن السلطات الإيرانية استغلت أجواء الحرب والتوتر الإقليمي لتوسيع حملتها الأمنية في سيستان وبلوشستان، في محاولة لإظهار تماسك الدولة ومنع أي استغلال داخلي لانشغال المؤسسة العسكرية بالمواجهة الخارجية. لكن هذه السياسة، وفق الكاتب، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعميق مشاعر التهميش وتعزيز الاحتقان داخل المجتمع البلوشي.
يمثل إقليم سيستان وبلوشستان، الواقع جنوب شرقي إيران على الحدود مع باكستان وأفغانستان، إحدى أكثر المناطق حساسية بالنسبة للنظام الإيراني. فالإقليم يضم غالبية من البلوش السنة، في حين تتبنى الدولة الإيرانية نظاماً تقوده النخبة الشيعية، وهو ما جعل المنطقة تعاني لعقود من التهميش السياسي والاقتصادي.
ويشير التقرير إلى أن الإقليم يعد الأفقر في إيران، رغم امتلاكه ثروات طبيعية ومعدنية كبيرة، كما يعاني سكانه من ارتفاع معدلات البطالة وضعف الخدمات وغياب التنمية، الأمر الذي دفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على التجارة الحدودية غير الرسمية كمصدر رئيسي للدخل.
وفي الوقت نفسه، تنشط في المنطقة جماعات مسلحة معارضة للنظام الإيراني، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية الوعرة والحدود الطويلة مع باكستان وأفغانستان، وهو ما تستخدمه طهران باستمرار لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية وشن حملات اعتقال وملاحقة واسعة.
وبحسب تحليل منتدى فكرة، فإن الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وفرت للحكومة الإيرانية فرصة جديدة لتوسيع إجراءاتها الأمنية داخل الإقليم تحت شعار حماية الأمن القومي.
وتقول السلطات الإيرانية إنها اعتقلت أو قتلت أكثر من مائة شخص في بلوشستان بتهم تتعلق بالإرهاب أو التعاون مع جهات خارجية، بينما أسفرت هجمات نفذتها جماعات مسلحة عن مقتل أكثر من عشرين عنصراً من قوات الأمن الإيرانية خلال الفترة نفسها.
ويرى التقرير أن هذا المناخ الأمني منح أجهزة الدولة مساحة أوسع للتحرك ضد الأصوات المعارضة، ليس فقط ضد الجماعات المسلحة، وإنما أيضاً ضد الاحتجاجات المدنية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي.
وخلال الأسابيع الماضية، تحولت قضية التعدين إلى أحد أبرز أسباب التوتر في الإقليم، بعدما خرجت نساء بلوشيات في احتجاجات سلمية ضد أنشطة التعدين في منجمي تفتان للذهب وباشموكي للكروميت.
ويؤكد التقرير أن المحتجات طالبن بوقف الأضرار البيئية التي لحقت بالمنطقة، والحصول على نصيب عادل من عائدات الموارد الطبيعية، إضافة إلى تحميل الشركات والسلطات مسؤولية تدهور مصادر المياه والأراضي الزراعية.
إلا أن قوات الأمن الإيرانية فرقت هذه الاحتجاجات بالقوة، حيث تعرض عدد من النساء للضرب والسحل والاعتقال، فيما أصيبت عدة متظاهرات، من بينهن امرأة فقدت جنينها بعد الاعتداء عليها، وفق ما أورده التقرير.
وقد انتشرت مقاطع الفيديو الخاصة بهذه الأحداث على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحول سريعاً إلى قضية رأي عام داخل المجتمع البلوشي.
ولم تعد القضية مرتبطة بالمناجم فقط، بحسب الكاتب، بل أصبحت رمزاً لشعور أوسع بالحرمان من الحقوق السياسية والاقتصادية.
فالبلوش، وفق التقرير، يرون أن الحكومة تستخرج ثروات مناطقهم دون أن ينعكس ذلك على مستوى معيشتهم، بينما يتحمل السكان وحدهم التكاليف البيئية والاجتماعية لهذه المشروعات.
وأثار استخدام القوة ضد النساء ردود فعل غاضبة من رجال الدين والقيادات القبلية والأحزاب البلوشية، حيث طالب عدد منهم بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، محذرين من أن استمرار هذه السياسات سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان.
كما انتقد الشيخ مولوي عبد الحميد، أبرز المرجعيات الدينية السنية في الإقليم، تعامل السلطات مع المحتجات، داعياً إلى الاستماع إلى مطالب السكان بدلاً من قمعهم، ومؤكداً أن تجاهل حقوقهم سيؤدي إلى تجدد الاحتجاجات.
ورغم إعلان السلطات الإيرانية فتح تحقيقات في الأحداث، فإن التقرير يشير إلى أن التجارب السابقة لا تمنح السكان ثقة كبيرة في جدية هذه الإجراءات.
ويستشهد الكاتب بحوادث سابقة، من بينها مقتل الشابة مهسا أميني، وأحداث "الجمعة الدامية" في زاهدان عام 2022، التي قتل خلالها أكثر من مائة متظاهر بلوشي، دون محاسبة واضحة للمسؤولين عنها.
ويرى أن هذه السوابق رسخت قناعة لدى كثير من أبناء الإقليم بأن المؤسسات الرسمية توفر الحماية لعناصر الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يزيد من فجوة الثقة بين الدولة والسكان.
ورغم تصاعد التوتر، لا يذهب التقرير إلى حد القول إن بلوشستان تقف على أعتاب تمرد شامل.
فالجماعات المسلحة موجودة بالفعل منذ سنوات، إلا أن الاحتجاجات الأخيرة كانت ذات طابع مدني واجتماعي، تركزت حول قضايا التنمية والبيئة والحقوق الاقتصادية.
لكن الكاتب يحذر من أن استمرار استخدام الحلول الأمنية وحدها قد يدفع شرائح أوسع من المجتمع إلى فقدان الثقة في إمكانية تحقيق مطالبها عبر الوسائل السلمية، وهو ما قد يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتنامي نفوذ الجماعات المسلحة أو توسع دائرة المواجهات.
كما أن تزامن الضغوط الخارجية مع الاحتقان الداخلي يفرض على طهران تحدياً معقداً، إذ يتعين عليها إدارة المواجهة مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه منع انتقال التوتر إلى الداخل.
وتكشف تطورات سيستان وبلوشستان عن معضلة أعمق تواجه النظام الإيراني، تتمثل في كيفية الحفاظ على الأمن دون معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية التي تغذي الاحتجاجات.
فبينما تراهن السلطات على الحل الأمني لضبط الأوضاع، يرى منتقدوها أن استمرار التهميش، وغياب التنمية، وحرمان السكان من الاستفادة من مواردهم الطبيعية، سيجعل أي استقرار أمني مؤقتاً.
ويخلص تحليل منتدى فكرة إلى أن طهران قد تنجح في احتواء الاحتجاجات على المدى القصير، لكنها تواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في تنامي الوعي السياسي داخل المجتمع البلوشي، واتساع المطالب بإنهاء التهميش والحصول على حقوق اقتصادية وسياسية أكبر.
وفي ظل تجدد الضربات الأميركية، تبدو إيران مطالبة بإدارة جبهتين في آن واحد؛ الأولى خارجية تتعلق بالمواجهة العسكرية والتصعيد في الخليج، والثانية داخلية ترتبط بتزايد الضغوط في المناطق الطرفية. وبينما لا تشير المعطيات الحالية إلى تمرد واسع النطاق، فإن استمرار السياسات الأمنية دون حلول تنموية وسياسية قد يجعل من الاحتقان المحلي تحدياً طويل الأمد يفرض نفسه على حسابات القيادة الإيرانية في المرحلة المقبلة.