التنظيمات الجهادية ومفهوم حماية المدنيين.. "أزمة الشرعية ومنطق توظيف الإنسان في الصراع"

الخبير العسكري والاستراتيجي الأردني عُمر الرداد

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهد العالم تحولاً جوهرياً في فهم طبيعة الحروب وآثارها الإنسانية، حيث نشأت منظومة قانونية دولية هدفت إلى الحد من فوضى النزاعات المسلحة ووضع قواعد واضحة لحماية الإنسان أثناء الحرب، وقد تجسد هذا التحول في القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، التي كرست مبدأً أساسياً مفاده أن المدنيين، باعتبارهم غير مشاركين مباشرة في الأعمال القتالية، يجب أن يكونوا خارج دائرة الاستهداف، وأن حماية حياتهم وكرامتهم تمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً يقع على عاتق جميع أطراف النزاع.

وقد جاءت هذه التحولات العالمية نتيجة تجربة تاريخية قاسية عاشها العالم خلال الحربين العالميتين، بعد الفظائع الجماعية التي ارتكبتها أطراف الحروب، والوصول إلى قناعات بأن غياب القيود الأخلاقية والقانونية على استخدام القوة يؤدي إلى تحويل المجتمعات المدنية إلى ساحات مفتوحة للعنف والانتقام، وتولدت قناعات تتضمن أن حماية المدنيين أحد أهم المعايير التي تُقاس بها شرعية الدول والجماعات المسلحة على حد سواء، فلم تعد القوة وحدها معياراً للحسم، بل أصبح السلوك الإنساني أثناء الصراع جزءاً من تقييم أي مشروع سياسي أو عسكري.

غير أن العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية أثبتت أن وجود القوانين لا يعني بالضرورة احترامها، فقد شهد العالم انتهاكات واسعة للقانون الدولي الإنساني ارتكبتها دول وجيوش نظامية، كما ارتكبتها جماعات مسلحة غير حكومية، ويؤكد هذا الواقع أن مشكلة حماية المدنيين ترتبط بطبيعة الحرب نفسها، وبمدى التزام الأطراف المتحاربة بقواعدها، وليس فقط بطبيعة الفاعل الذي يخوضها.

وفي هذا السياق، تبرز التنظيمات المسلحة ذات المرجعية الإسلامية الجهادية بوصفها إحدى أكثر الظواهر إثارة للنقاش فيما يتعلق بعلاقتها بمفهوم حماية المدنيين، فالمتابعة التاريخية والفكرية لممارسات عدد من هذه التنظيمات تكشف عن تصور مختلف لمكانة المدني داخل الصراع، حيث لا يُنظر إليه دائماً باعتباره فرداً محايداً يجب تحييده وحمايته، وإنما يتحول في كثير من الحالات إلى عنصر داخل المعادلة السياسية والعسكرية، يُستخدم في إنتاج الردع، أو تعزيز الخطاب الدعائي، أو بناء سرديات المظلومية والتعبئة.

وهنا تظهر الإشكالية الأساسية المتمثلة في أن التنظيمات الجهادية لا تتعامل مع المدنيين باعتبارهم ضحايا عرضيين للحرب فقط، بل جزءاً من البيئة التي تُدار من خلالها المواجهة، ويتحول الإنسان، وفق منطق هذه التنظيمات، من غاية يُفترض حمايتها إلى أداة توظيف ضمن حسابات الصراع، سواء من خلال استخدام وجوده في البيئات القتالية، أو باستثمار معاناته وصوره بعد سقوطه في المعركة الإعلامية والسياسية.

في الحالة الفلسطينية، وخصوصاً في غزة، برزت خلال السنوات الأخيرة نقاشات واسعة حول العلاقة بين العمل العسكري والبيئة المدنية، إذ أثارت الحروب المتكررة جدلاً حول مدى توظيف المناطق المدنية في العمليات العسكرية، وحول مسؤولية الأطراف المختلفة في حماية السكان، بعد أن أصبح المدنيون حاضرين بقوة في معركة السرديات، حيث تُستخدم صور الضحايا والمعاناة الإنسانية في تشكيل الرأي العام الدولي، وتحويل الكلفة البشرية للصراع إلى عنصر مؤثر في الحسابات السياسية.

ولا تكمن الإشكالية هنا في عرض معاناة المدنيين أو الدفاع عن حقوقهم، فهذا حق إنساني وقانوني ثابت، وإنما في تحول هذه المعاناة أحياناً إلى أداة سياسية بحد ذاتها، بحيث تصبح حياة المدنيين جزءاً من استراتيجية الصراع بدلاً من أن تكون سبباً لإنهائه أو تقليل آثاره، وعندما يصبح سقوط المدنيين جزءاً متوقعاً أو مقبولاً ضمن الحسابات العسكرية، فإن ذلك يعكس أزمة عميقة في مفهوم الحرب وحدود المسؤولية الأخلاقية.

وتظهر الإشكالية نفسها في لبنان، حيث أدى تداخل المجالين المدني والعسكري في بيئات الصراع إلى جعل المجتمعات المحلية تتحمل جانباً كبيراً من كلفة المواجهة، فاستراتيجية الردع التي يتبناها حزب الله تقوم على وجوده داخل بيئات اجتماعية حاضنة، وهو ما يخلق معضلة معقدة تتعلق بحدود مسؤوليته تجاه حماية المدنيين الذين يعيشون ضمن مناطق نفوذه، ولا شك أن تحويل المجتمع إلى جزء من معادلة الردع يؤدي إلى إضعاف الفاصل بين المقاتل والمدني، وهو الفاصل الذي يمثل جوهر القانون الدولي الإنساني، فالمدني لا ينبغي أن يصبح طرفاً غير مباشر في الحرب لمجرد وجوده الجغرافي أو انتمائه الاجتماعي، كما لا ينبغي أن يتحمل نتائج قرارات عسكرية وسياسية لم يشارك في صنعها.

لكن هذه الإشكالية تبدو أكثر وضوحاً في تجربة تنظيمي القاعدة وداعش، حيث مثل استهداف المدنيين جزءاً مركزياً من استراتيجية العنف، وربما يتجسد هذا الوضوح في أن عمليات استهداف الأسواق والمساجد والتجمعات السكانية لم تكن مجرد نتائج عرضية للصراع، بل ارتبطت في العديد من الحالات بهدف واضح يتمثل في نشر الخوف، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإثارة الانقسامات الاجتماعية والطائفية، وإظهار قدرة التنظيم على استخدام أقصى درجات العنف، وهو ما عُرف لاحقاً في أدبيات داعش بـ"إدارة التوحش"، فقد تعاملت هذه التنظيمات مع العنف ضد المدنيين باعتباره وسيلة لإنتاج التأثير السياسي والعقائدي، وليس مجرد وسيلة عسكرية، فالمجزرة أو التفجير لم يكونا يهدفان فقط إلى إيقاع خسائر بشرية، بل إلى خلق صدمة مجتمعية وإعلامية، وإرسال رسالة بقوة التنظيم واستعداده لتجاوز كل الحدود التقليدية للحرب، وهو ما يؤكد تحول الدم من نتيجة للعنف إلى أداة من أدوات الخطاب والتعبئة.

ومن هذا المنطلق، فإن مشكلة التنظيمات الجهادية لا تكمن فقط في انتهاكها للقوانين الإنسانية، بل في بناء تصور فكري يجعل التضحية بالمدنيين قابلة للتبرير داخل منظومتها العقائدية، فالإنسان يفقد قيمته الفردية، ويصبح جزءاً من مشروع أكبر يُقدم على أنه هدف تاريخي أو ديني أو سياسي، وتمثل هذه الرؤية جوهر الأزمة الأخلاقية التي تواجه هذه التنظيمات.

ورغم محاولات بعض هذه التنظيمات تبرير ممارساتها عبر الاستشهاد بتجارب حركات التحرر الوطني في الجزائر أو فيتنام، فإن المقارنة تبقى محدودة، وتستبطن مغالطات مقصودة، فحركات التحرر، رغم وقوع تجاوزات وانتهاكات خلال بعض مراحلها، إلا أنها كانت تسعى غالباً إلى بناء شرعية شعبية ودولية تقوم على تقديم نفسها بوصفها حركات سياسية ذات أهداف وطنية، أما التنظيمات الجهادية العابرة للحدود فقد اعتمد بعضها على منطق مختلف يقوم على الصدمة والعنف الأقصى كوسيلة لإعادة تشكيل الواقع، ومن الناحية الاستراتيجية، فإن استهداف المدنيين أو توظيف معاناتهم لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز قوة التنظيمات المسلحة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فمع مرور الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى مصدر لفقدان الشرعية، وتراجع الدعم الشعبي، وزيادة قدرة الخصوم على تقديم هذه التنظيمات بوصفها تهديداً للقيم الإنسانية ذاتها.

لا شك أن حماية المدنيين في العصر الحديث أصبحت أحد أهم عناصر الشرعية السياسية والعسكرية، فلم يعد تقييم أي فاعل مسلح مرتبطاً بقدرته على تحقيق الانتصارات أو الصمود في المعارك، وإنما أيضاً بمدى التزامه بالحد الأدنى من القواعد الإنسانية، فالقوة التي تفقد بعدها الأخلاقي تتحول تدريجياً إلى عبء سياسي، مهما حققت من مكاسب ميدانية مؤقتة.

ومع ذلك، فإن السنوات الأخيرة بدأت تشهد بدايات وعي عربي وإسلامي متزايد بأهمية إعادة الاعتبار لقضية حماية المدنيين. فقد توسعت النقاشات الفكرية والإعلامية حول ضرورة تجاوز منطق التضحية القسرية، وبدأت أصوات عديدة تؤكد أن الدفاع عن القضايا السياسية لا يمكن أن ينفصل عن احترام حياة الإنسان وكرامته، وربما يمثل هذا التحول فرصة لإعادة تعريف مفهوم المقاومة والعمل السياسي المسلح على أسس أكثر إنسانية، فالمشروع الذي يدافع عن الإنسان لا يمكن أن يحول الإنسان نفسه إلى أداة، والمقاومة التي تفقد حساسيتها تجاه المدنيين تفقد جزءاً أساسياً من شرعيتها الأخلاقية.

وفي الخلاصة، فإن مواجهة سرديات التنظيمات الجهادية لا تقتصر على تفكيك خطابها أو نقد ممارساتها، بل تتطلب بناء خطاب بديل يجعل الإنسان محور أي مشروع سياسي أو مقاوم، فحماية المدنيين ليست مجرد التزام قانوني، بل معياراً أساسياً للحكم على شرعية الفاعلين وقدرتهم على تقديم نموذج مختلف عن منطق العنف المفتوح، فقد أثبتت التجارب المعاصرة أن المجتمعات التي تتحول إلى وقود للصراع تدفع الثمن الأكبر، وأن التنظيمات التي تجعل المدنيين أدوات في حساباتها تفقد تدريجياً قدرتها على بناء شرعية مستدامة، لذلك فإن إعادة الاعتبار للإنسان وحمايته يجب أن تكون نقطة الانطلاق لأي مشروع يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية أو وطنية أو مقاومة، لأن قيمة أي قضية لا تُقاس فقط بما ترفعه من شعارات، بل بما تحميه من أرواح وكرامة إنسانية، فما قيمة الأرض بلا إنسانها؟

Previous
Previous

مع تجدد الضربات الأميركية.. هل تواجه إيران تمرداً محلياً؟

Next
Next

الفنان السوري عبدالقادر المنلا: رفضت المشاركة في أعمال فنية بسبب وجود فنانين شبيحة