جيش بوجه واحد.. «لوموند» تحذر من غياب الأقليات عن المؤسسة العسكرية السورية

بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد، تجد سوريا نفسها أمام أحد أكثر استحقاقات المرحلة الانتقالية حساسية وتعقيدًا: إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على توحيد البلاد وضبط الأمن، بعيدًا عن منطق الفصائل الذي حكم سنوات الحرب.

غير أن صحيفة «لوموند» الفرنسية تلفت في تقرير تحليلي مطوّل إلى أن الجيش السوري الجديد، الذي يجري تقديمه باعتباره نواة الدولة الجديدة، يواجه إشكالية بنيوية خطيرة تتمثل في غياب التمثيل المتوازن للأقليات الدينية والعرقية، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرته على التحول إلى مؤسسة جامعة لكل السوريين.

جيش يتشكل من رحم الفصائل

بحسب «لوموند»، فإن العمود الفقري للجيش السوري الجديد يتكوّن من مقاتلين سابقين في فصائل المعارضة المسلحة التي شاركت في إسقاط النظام السابق، وعلى رأسها التشكيلات التي كانت تنشط في شمال غرب البلاد. ورغم الإعلان عن دمج هذه القوى تحت مظلة وزارة الدفاع، إلا أن الواقع الميداني يعكس استمرار نفوذ قيادات فصائلية بعينها، ما يجعل المؤسسة العسكرية الناشئة أقرب إلى إعادة تجميع للفصائل المنتصرة منها إلى جيش وطني بمفهومه التقليدي.

هذا التشكيل غير المتوازن، وفق الصحيفة، يترجم عمليًا إلى حضور طاغٍ لمكون اجتماعي واحد، مقابل حضور ضعيف أو شبه معدوم لمكونات أخرى شكّلت تاريخيًا جزءًا من النسيج السوري، وهو ما يفتح الباب أمام مخاوف من إعادة إنتاج منطق الإقصاء ولكن بأدوات جديدة.

الأقليات خارج المعادلة

تؤكد «لوموند» أن الأقليات السورية، سواء الدينية أو العرقية، لا تزال بعيدة عن مراكز القرار داخل المؤسسة العسكرية الجديدة. فالعناصر القادمة من الجيش السابق، ومعظمهم من أبناء الطائفة العلوية، مُنحوا عفوًا عامًا في البداية، قبل أن يتم تسريح أعداد كبيرة منهم وإبعادهم فعليًا عن مواقع التأثير. هذا الإقصاء، بحسب التقرير، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل ساهم في خلق شعور بالهشاشة والقلق داخل بعض المناطق الساحلية، وارتبط لاحقًا باضطرابات أمنية جرى التعامل معها بقبضة عسكرية صارمة.

وفي السياق نفسه، تشير الصحيفة إلى تعثر جهود دمج قوات سوريا الديمقراطية، التي يقودها الأكراد في الشمال الشرقي، داخل الجيش الجديد. ورغم المفاوضات المعلنة، لا تزال هذه القوات خارج الهيكل العسكري الرسمي، ما يعكس عمق الخلافات السياسية والعسكرية حول شكل الدولة المقبلة وطبيعة توزيع السلطة داخلها.

أزمة ثقة ومخاوف مستقبلية

تحذير «لوموند» لا يقتصر على توصيف الخلل القائم، بل يتعداه إلى التحذير من تداعياته المستقبلية. فجيش يفتقر إلى التنوع، في بلد متعدد الهويات والانتماءات، قد يتحول من أداة استقرار إلى عامل توتر إضافي. وتخشى الصحيفة من أن يؤدي غياب التمثيل العادل إلى تقويض الثقة بين الدولة الجديدة وشرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا في المناطق التي لم تكن جزءًا من المعسكر المنتصر.

وترى الصحيفة أن تجارب ما بعد النزاعات في دول أخرى تُظهر أن بناء جيش وطني لا ينجح فقط عبر توحيد السلاح، بل عبر توحيد الشعور بالانتماء، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل شعور مكونات كاملة بأنها مستبعدة أو موضوعة تحت الشبهة الجماعية.

منطق الثورة أم منطق الدولة؟

أحد أبرز الأسئلة التي تطرحها «لوموند» يتمثل في التناقض بين خطاب السلطة الجديدة حول بناء دولة جامعة، والممارسة الفعلية داخل المؤسسة العسكرية. فبينما يُرفع شعار القطيعة مع ممارسات النظام السابق، يخشى مراقبون من أن يتحول الجيش الجديد إلى أداة بيد نخبة ضيقة، تعيد إنتاج الهيمنة ولكن تحت غطاء ثوري.

وتشير الصحيفة إلى أن استمرار هذا المسار قد يعقّد جهود المصالحة الوطنية، ويُضعف قدرة الدولة على بسط سلطتها بشكل مستدام، خصوصًا في المناطق ذات الخصوصيات القومية أو الطائفية.

تحدي المرحلة الانتقالية

في المحصلة، ترى «لوموند» أن نجاح التجربة السورية الجديدة مرهون بقدرة السلطة الانتقالية على معالجة الخلل البنيوي داخل المؤسسة العسكرية، وفتحها أمام جميع المكونات دون استثناء. فجيش بوجه واحد، مهما بلغت قوته، لن يكون قادرًا على ضمان استقرار طويل الأمد في بلد خرج لتوه من حرب أهلية مدمّرة.

وتخلص الصحيفة إلى أن بناء جيش وطني حقيقي في سوريا لا يتطلب فقط إعادة هيكلة عسكرية، بل قرارًا سياسيًا شجاعًا يعترف بالتعددية بوصفها مصدر قوة لا تهديدًا، ويحوّل المؤسسة العسكرية من إرث صراعي إلى ركيزة جامعة للدولة الجديدة.

Previous
Previous

الوزير السابق يوسف سلامة: حزب الله ظاهرة صوتية تجلب الدمار إلى لبنان

Next
Next

"هجوم تدمر" يكشف التحديات أمام التعاون الأمني بين سوريا وأميركا