"نموذج غزة" في لبنان.. هل تعيد إسرائيل رسم خريطة الجنوب؟

وكالات - “جسور نيوز”

تتصاعد في الآونة الأخيرة التحذيرات من انتقال ما يُعرف بـ"نموذج غزة" إلى جنوب لبنان، في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة على المناطق الحدودية، حيث أزال الجيش الإسرائيلي بنى تحتية بعد إخلاء مناطق كاملة قرب "الخط الأزرق".

وبينما تقول إسرائيل إن تحركاتها تأتي ضمن ترتيبات أمنية تهدف إلى إبعاد تهديدات "حزب الله" عن حدودها الشمالية، تتحدث تقارير وتحليلات دولية عن تحولات أعمق قد تعيد تشكيل المشهد الجغرافي والأمني في الجنوب اللبناني، وفق موقع "إمباكتر" الأميركي.

وتناول الموقع، في تقرير، ملامح الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة في جنوب لبنان، وربطها بما شهده قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة، موضحا أنها تتحرك باتجاه إنشاء "منطقة أمنية متقدمة" في الجنوب اللبناني، تمتد على مساحات واسعة من القرى الحدودية، بهدف منع أي وجود عسكري لـ"حزب الله" قرب حدودها.

وأشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن بالفعل عن ترتيبات أمنية جديدة تتضمن إبعاد السكان عن بعض المناطق الحدودية إلى حين "ضمان الأمن الكامل".

منع تكرار هجمات 7 أكتوبر

وتقول إسرائيل إن هذه الخطوات تأتي بعد تصاعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي انطلقت من جنوب لبنان خلال الأشهر الماضية، وإن هدفها الأساسي يتمثل في منع تكرار سيناريو الهجمات المباغتة مثلما تعرضت له في السابع من أكتوبر العام 2023، كما تؤكد أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تضمن إبعاد القدرات العسكرية للحزب إلى شمال نهر الليطاني، بما يتوافق مع القرار الدولي 1701.

وخلال الأشهر الأخيرة، أظهرت صور أقمار صناعية وتقارير دولية إزالة مبان كثيرة في القرى الحدودية اللبنانية، خاصة في المناطق القريبة من خطوط المواجهة، كما تحدثت تقارير غربية عن إزالة أحياء كاملة وتضرر طرق وجسور ومرافق حيوية نتيجة العمليات العسكرية المتبادلة.

وربطت تحليلات متعددة بين ما يجري في جنوب لبنان وبين ما يعرف في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية بـ"عقيدة الضاحية"، وهي الاستراتيجية التي تعتمد على استخدام قوة نارية كثيفة ضد البنية التحتية والمواقع التي تعتبرها إسرائيل جزءاً من البيئة العسكرية للخصوم.

شريط أمني داخل الجنوب اللبناني

ويرى مراقبون أن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن "نموذج غزة" لا يعني بالضرورة تكرار السيناريو نفسه حرفياً، وإنما يشير إلى إنشاء واقع أمني جديد يقوم على المناطق العازلة، والسيطرة النارية الواسعة، ومنع إعادة التمركز العسكري في المناطق الحدودية، وفي هذا الإطار، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية وغربية عن توجه لتثبيت "شريط أمني" طويل الأمد داخل الجنوب اللبناني، على غرار ما كان قائماً قبل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000.

وفي المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف لبنانية من تحول الجنوب إلى منطقة نزاع مفتوح لفترة طويلة، خاصة مع استمرار التوتر الإقليمي المرتبط بالمواجهة بين إسرائيل وإيران، والدور الذي يلعبه "حزب الله" في إسناد طهران وتمسكه بالسلاح.

ويرى محللون أن التطورات الحالية قد تؤدي إلى تغييرات كبيرة في طبيعة الحياة داخل الجنوب اللبناني، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو السكانية، في ظل نزوح آلاف السكان من القرى الحدودية وتراجع النشاط الزراعي والتجاري في مناطق واسعة.

كما تشير تقديرات أمنية إلى أن إسرائيل تسعى إلى فرض معادلة جديدة تقوم على إبعاد مصادر التهديد المباشر عن حدودها الشمالية، حتى لو تطلب الأمر بقاء ترتيبات عسكرية وأمنية لفترة طويلة، وتعتبر تل أبيب أن المواجهة الحالية تختلف عن الحروب السابقة، بسبب التطور الكبير في ترسانة "حزب الله" العسكرية، خصوصاً الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة.

في الوقت نفسه، تراقب القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، تطورات الوضع في جنوب لبنان بحذر شديد، وسط مخاوف من توسع المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة، وتبذل أطراف دولية جهوداً دبلوماسية مكثفة لمنع انزلاق الأوضاع إلى صدام واسع قد يهدد أمن شرق المتوسط وأسواق الطاقة العالمية.

مصير الجنوب اللبناني مرتبط بالتفاهمات الإقليمية

ويعتقد مراقبون أن مستقبل الجنوب اللبناني سيبقى مرتبطاً بمسار التفاهمات الإقليمية الأوسع، خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة بين واشنطن وطهران، وكذلك بمصير الحرب في غزة. فكلما طال أمد المواجهة الإقليمية، زادت احتمالات تثبيت ترتيبات أمنية جديدة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

وفي الداخل الإسرائيلي، يتزايد الضغط السياسي والشعبي على الحكومة لضمان عدم عودة التهديدات العسكرية إلى المناطق الشمالية، بعد أشهر من إخلاء بلدات إسرائيلية قريبة من الحدود. ولذلك، يبدو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتجه نحو تبني سياسة أكثر تشدداً في التعامل مع الحدود اللبنانية مقارنة بالسنوات الماضية.

أما لبنان، فيواجه تحديات معقدة في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة والانقسام السياسي الداخلي، ما يجعل قدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع تداعيات التصعيد محدودة. كما أن أي ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب ستنعكس بشكل مباشر على الوضع الداخلي اللبناني وعلى مستقبل قوات "اليونيفيل" العاملة في المنطقة الحدودية.

Previous
Previous

سوريا.. استياء شعبي بعد ارتفاع أسعار المشتقات النفطية ومطالبات بالاستقرار المعيشي

Next
Next

مواطن لبناني: حزب الله مرتزقة لدى الحرس الثوري الإيراني