شعبية حزب الله وحركة حماس وجماعة الحوثي.. سقوط وهم "الميليشيا" في الوعي العربي
بقلم: حميد قرمان
لم يكن السابع من أكتوبر قبل ثلاثة أعوام مجرد حدث عابر في شريط الأزمات الشرق أوسطية الممتد، بل كان زلزالًا جيوسياسيًا أعاد فرز المواقف ورسم ملامح الوعي الشعبي العربي من جديد. ذلك التاريخ المشؤوم، بما حمله من كوارث ودمار ودماء نزفت في غزة والمنطقة، شكّل لحظة الحقيقة الفاصلة التي استيقظت فيها الشعوب العربية على حقيقة مريرة: أن المشاريع الميليشياوية العابرة للحدود لا تجلب سوى الخراب، وأن ارتهان القرار الوطني لأجندات إقليمية غريبة هو انتحار استراتيجي تدفع ثمنه الشعوب من أمنها واستقرارها ومستقبل أبنائها.
على مدى عقود، حاولت إيران جاهدة تكريس نموذج "الدولة داخل الدولة" في الجسد العربي. زرعت وغذّت أذرعًا عسكرية وسياسية، كحزب الله في لبنان، وحركة حماس في قطاع غزة، وجماعة الحوثي في اليمن، والميليشيات المسلحة (الحشد الشعبي) في العراق، وحرصت على تسويقها في الشارع العربي تحت لافتات براقة مثل "المقاومة" و"الممانعة". غير أن هذا البريق الزائف انطفأ تمامًا في أتون الصراع الأخير؛ إذ أدرك الوعي الجمعي العربي أن هذه الجماعات ليست سوى أدوات وظيفية في استراتيجية التمدد الإيراني، تُستنزف فيها الأوطان لخدمة مصالح طهران التفاوضية، دون أي اعتبار لسيادة الدول أو أمن مواطنيها.
تتجسد معالم هذا التراجع الشعبي بوضوح في الداخل اللبناني؛ حيث كشفت الأرقام عن تصدعات عميقة في الحاضنة السياسية للخيارات العسكرية. ووفقًا لأحدث استطلاع رأي أجرته مؤسسة "ستاتيستكس ليبانون" في البيئة اللبنانية، فإن 66.4% من المشاركين يؤيدون تسليم سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية وحصره بيدها فورًا، بينما يرى 67.4% أن الحزب فشل تمامًا في تحقيق أهدافه. هذا التدني الحاد في مستويات الثقة صاحبه صعود لافت في منسوب الالتفاف حول الجيش اللبناني، بنسبة بلغت 78.5%، مع تأكيد الغالبية العظمى (71.1%) أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية، وهو ما يعكس رغبة عارمة في الخلاص من مغامرات الميليشيات.
الحال لا يختلف كثيرًا في الساحة الفلسطينية؛ فبعد أن أدركت حركة حماس حجم التآكل الحاد في شعبيتها وخسارتها حاضنتها بعد الدمار غير المسبوق الذي حلّ بقطاع غزة، سارعت إلى البحث عن طوق نجاة سياسي لترميم رصيدها المتهاوي. وتجلى ذلك بوضوح في لجوء الحركة إلى عقد تفاهمات وتحالفات سياسية وانتخابية مع تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة محمد دحلان. هذه البراغماتية المتأخرة، والاضطرار إلى التحالف مع خصوم الأمس ضمن قائمة انتخابية موحدة، لم يكونا نابعين من إيمان بالشراكة الوطنية، بل كانا محاولة مكشوفة من حماس لاستغلال الدور الوطني والخدمي والإنساني الكبير لتيار دحلان في غزة، في مسعى بائس لإعادة تسويق نفسها ورفع أسهمها السياسية والشعبية المنهارة في ترتيبات المشهد الفلسطيني المقبل.
هذا الانكسار المشهود في سردية الميليشيات قابله تنامٍ سريع لوعي شعبي ورسمي عربي كاسح يطالب باستعادة "الدولة الوطنية". واليوم، نشهد تحركًا عربيًا حثيثًا وجادًا على مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة المركزية القوية ذات السيادة الكاملة، تحديدًا في الجبهات الأكثر تضررًا، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن. لم يعد المقترح العربي يقبل المسكنات أو الحلول الترقيعية؛ فالهدف الآن هو تفكيك الدويلات الموازية، ودعم المؤسسات الشرعية والجيوش الوطنية لتمكينها من بسط سلطتها وحدها على الأرض وحصر السلاح بيدها، إنقاذًا لمستقبل شعوب هذه الدول وحمايةً للسلم الإقليمي.
ولأن القضية الفلسطينية تظل جوهر هذا الاستقرار وعموده الفقري، فإن التحرك العربي لم يكتفِ بمواجهة التغلغل الميليشياوي داخليًا، بل امتد إلى صياغة أفق سياسي حقيقي يقطع الطريق على المتاجرين بآلام الشعب الفلسطيني. وتتجسد هذه المساعي اليوم في قيادة حراك دبلوماسي دولي واسع لدفع حل الدولتين عبر إنشاء جبهة دولية موحدة. وتسعى هذه الجبهة إلى فرض مسار سياسي إلزامي ونهائي يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، بوصفه سبيلًا لإنهاء دوامة العنف وسحب البساط تمامًا من تحت أقدام الحركات المسلحة التي تتغذى على غياب الحل العادل والمقبول. إن إحياء هذا المسار برعاية جبهة دولية وازنة هو الرد الاستراتيجي الأقوى الذي يثبت أن منطق القانون الدولي والدولة الوطنية هو البديل الحتمي لعصر الفوضى والميليشيات ودوائر الصراع اللامنتهي.