دراسة: تعطيل إمدادات الحوثيين يتطلب ملاحقة التمويل وشبكات التوريد
أكد تحليل لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية أن مواجهة ترسانة الحوثيين لم تعد تقتصر على تدمير الصواريخ والطائرات المسيّرة ومخازن الأسلحة، بل تتطلب ملاحقة شبكات التوريد والوسطاء ومصادر التمويل التي تساعد الجماعة على تعويض خسائرها والحصول على المكونات اللازمة لتصنيع أسلحة جديدة.
ويشير التحليل، الذي أعده تركي القبلان، رئيس مركز ديمومة للدراسات والبحوث، إلى أن قدرات الحوثيين العسكرية تطورت من الاعتماد على الأسلحة المتاحة محليا ومخزونات الجيش اليمني التي استولوا عليها، إلى ترسانة متنوعة تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للسفن، بالتوازي مع تنامي محاولات التصنيع والتجميع داخل اليمن.
ويؤكد التحليل أن الحد من هذه القدرات يتطلب تحركا يتجاوز الضربات العسكرية، ليشمل تعطيل قنوات الإمداد والتمويل، وتعزيز الرقابة على المعدات والسلع التي يمكن استخدامها في برامج التسليح، والتعاون مع الدول التي تنشط فيها شبكات الشراء والتصدير.
من مخزونات الجيش إلى التصنيع المحلي
وبحسب التحليل، استفاد الحوثيون بعد سيطرتهم على صنعاء وتحالفهم مع قوات موالية للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح من الوصول إلى مخزونات الجيش وخبراته الفنية، بما في ذلك صواريخ "سكود" ونسخها الكورية الشمالية وصواريخ "توشكا" وأنظمة دفاع جوي جرى تعديل بعضها لاستخدامه في ضرب أهداف أرضية.
ومع اتساع الحرب التي بدأت عام 2015، ازدادت أهمية الدعم الإيراني في توفير الأسلحة والمكونات والتقنيات والخبرات اللازمة لتطوير مدى الهجمات. لكن التحليل يشير إلى أن الجماعة واصلت استخدام الأسلحة التي استولت عليها، بالتزامن مع الحصول على معدات جديدة وتطوير قدرتها على الاستفادة منها محليا.
وظهرت مؤشرات هذا التحول في الهجمات الصاروخية باتجاه الرياض عام 2017، ثم اتساع نطاق الأسلحة المستخدمة في الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر أواخر عام 2023، بما شمل صواريخ باليستية مضادة للسفن.
ويشير التحليل إلى أن تنوع الأسلحة يمنح الحوثيين خيارات أوسع للضغط، لكنه لا يكشف وحده حجم المخزون المتاح لديهم، أو سرعة إنتاج البدائل، أو مدى اعتماد كل منظومة على الإمدادات الخارجية.
مكونات الأسلحة أهم من المنظومات الجاهزة
ويستشهد التحليل بدراسة صادرة عن مؤسسة القرن، أفادت بأن أكثر من 80% من المواد المضبوطة خلال عامي 2024 و2025، التي كانت متجهة إلى الحوثيين، خُصصت لإنتاج الأسلحة بدلا من كونها منظومات سلاح مكتملة.
ولا تمثل هذه النسبة إحصاء شاملا لجميع الإمدادات التي تصل إلى الجماعة، كما لا تحدد نسبة الأسلحة المصنعة محليا من إجمالي ترسانتها، لكنها توضح، وفق التحليل، أن اعتراض شحنات الأسلحة الجاهزة لا يغطي جميع جوانب المشكلة.
وفي السياق نفسه، رصدت منظمة أبحاث تسليح النزاعات "كار" مكونات متخصصة ومواد وأدوات ومعدات اختبار ضمن شحنات متجهة إلى الحوثيين، بما يشير إلى محاولات لتصنيع أجزاء من سلسلة صواريخ "خيبر شكن" الإيرانية. غير أن العثور على هذه المكونات لا يثبت أن الجماعة نجحت في إنتاج صاروخ كامل، إذ يظل امتلاك المعدات والقدرة على تصنيع سلاح موثوق وقابل للاستخدام مرحلتين مختلفتين.
كذلك فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركة "شينزن ريون" الصينية، وقالت إنها شحنت مئات المكونات المستخدمة في تصنيع أنظمة توجيه الصواريخ إلى جهات مرتبطة بالحوثيين. ويبرز ذلك، بحسب التحليل، أهمية تتبع الشركات والوسطاء وشبكات التجارة التي قد تسهم في توفير مستلزمات برامج التسليح.
قياس القدرة على التعويض
ويحذر التحليل من اعتبار تراجع الهجمات دليلا كافيا على زوال التهديد. فخلال الحملة العسكرية الأميركية، أفادت القيادة المركزية الأميركية في أبريل بتراجع إطلاق الصواريخ الباليستية بنسبة 69% وعمليات الطائرات المسيّرة الهجومية بنسبة 55%.
لكن هذه الأرقام، بحسب المقال، لا تحدد المدة التي تحتاج إليها الجماعة لاستعادة وتيرة هجماتها، ولا توضح حجم مساهمة المخزونات المتبقية أو الإنتاج المحلي أو الإمدادات الجديدة في تعويض خسائرها.
لذلك، يتطلب تقييم نتائج الضربات مراقبة مستمرة تميز بين الأسلحة المتبقية، واستئناف الإنتاج، ووصول شحنات جديدة. فالمعيار ليس عدد المخازن أو منصات الإطلاق التي دُمرت فحسب، بل مدى قدرة الحوثيين على استعادة قدراتهم التشغيلية والاحتفاظ بها مع مرور الوقت.
تعطيل الإمدادات والتمويل
ويدعو التحليل إلى تعاون مع الدول التي تنشط فيها شبكات الشراء والتصدير، لتحسين التحقق من المستخدم النهائي للسلع والمعدات، وتعطيل الوسطاء والشركات التي تثبت صلتها ببرامج التسليح، إلى جانب تتبع قنوات التمويل والعائدات التي تتيح استمرار عمليات الشراء.
كما يشدد على أهمية تكامل الإنذار المبكر والاعتراض وحماية المنشآت الحيوية، بالتوازي مع توحيد القرار العسكري اليمني وتنسيق القوات الحكومية وترسيخ سلطة الدولة في المناطق المستعادة. فتعطيل الإمدادات، وفق هذا التصور، يحتاج إلى مؤسسات قادرة على مراقبة الشبكات وإنفاذ الإجراءات، فيما يتطلب تثبيت المكاسب الميدانية منع الانقسامات من توفير مسارات جديدة لإعادة بناء القوة.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع تزامن تهديد الملاحة قرب باب المندب مع الاضطرابات في مضيق هرمز، بما يزيد الضغوط على التجارة وإمدادات الطاقة وطرق الشحن.
ويخلص تحليل "مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية" إلى أن فاعلية المواجهة تُقاس بقدرتها على جعل تعويض الخسائر أبطأ وأكثر كلفة، وليس فقط بتدمير الأسلحة الموجودة؛ فكلما تراجعت قدرة الحوثيين على إعادة بناء ترسانتهم، ضاق هامش استمرار الهجمات واتساع تأثيرها.