بقلم: ميشيل سيروب
فيضٌ من الروايات عالج مرحلةً سوداء من تاريخ سوريا الحديث (1970-2024)، وتناول سنوات الاعتقال والتعذيب في السجون، والخطف والاغتيال والفساد وصفقات المال المشبوهة وتجارة المخدرات. «نفق الذل»* رواية تبحث في خِسّة السلطة إلى الأبد.
فككت سميرة المسالمة أسرار السلطة في دمشق، وأجادت الكتابة عن السجون ورطوبة المعتقلات وسحق آدمية الإنسان بوسائل وأساليب تشبه محاكم التفتيش. الروائية والصحفية سميرة المسالمة، من مواليد دمشق عام 1969، لها مساهمات عديدة في الكتابة، وهي ناشطة في ميدان التغيير الديمقراطي. انحازت المسالمة إلى صفوف الشعب، وتبنت قضية الكرامة، وتعرضت شخصيًا للظلم والتنكيل.
مُنى
الشخصية المحورية في الرواية، عاشقة ومتمردة في عالم الموسيقى والحب، تعاني لهيب العشق، كأي عاشق يعاني البعاد عن الحبيب. حبيبها عماد طالب في كلية الطب ومعارض للنظام، ويحلم، ككل أبناء جيله، بالتغيير لردم صفحة القهر والقمع.
مُنى ابنة ضابط مخابرات قصير القامة، يقف على النقيض من طموحات عماد. وتتجاوز العلاقة بين منى وعماد حدود الرومانسية والقبلات. وعندما يعلم الأب بعلاقة الحب بين العاشقين، يعمد إلى اعتقال عماد. وفي هذه الأثناء، تكون منى حاملًا من عماد. ولتدارك الأمر وطي صفحة العار الذي سيلحق بالعائلة، يُرتب زواج منى من أمجد، وهو الآخر ابن مسؤول. وترتبط العائلتان بشبكة من المصالح المشتركة، قوامها الفساد والرشوة والعلاقات الطائفية والعائلية، التي تتحكم في القرار السياسي والسيادي، وتتشابك مع النزوات الجنسية، وتجمعها قواسم عديدة، أساسها الفساد المالي والدفاع عن السلطة.
غيث
ثمرة علاقة الحب بين مُنى وعماد. يُعتقل عماد ويُغيَّب في السجن، وبعد معاناة وانتهاك لشرفه على يد عناصر الأمن، بأمر من الأب، يتحول من طالب ثوري إلى النقيض من أفكاره. وانتقامًا من ذاته ولذاته المعطوبة، يتطوع في صفوف النظام، ويتنكر لماضيه، ويمارس العنف والرذيلة ضد السجناء، على أمل نسيان معاناته المريرة.
تعتمد المسالمة في الرواية على تكنيك دوستويفسكي (1821-1881)، في روايتي «ذكريات من بيت الموتى» و«مذلون مهانون»، المتمثل في الغوص في طبقات النفس البشرية المظلمة، وعلى عوالم كافكا (1883-1924) في رواية «المسخ». وتجسد هذه الروايات سحق آدمية الإنسان في عالم النسيان وعتمة الأقبية والموت.
تتحرك شخصيات الرواية في بيئات موبوءة وفاسدة وقاتمة وعدمية. وتتعمد الروائية دفعنا إلى حافة الجنون والخوف. وتُصنَّف رواية «نفق الذل» روايةً إيروتيكية (سادية، بمعنى أدق)؛ إذ يحتل الجنس حيزًا كبيرًا في السرد الروائي، بوصفه أداة للقهر واستباحة الجسد. وهي أيضًا رواية سوداء، تغوص في عالم الجريمة السياسية واغتيال الحلم.
أقسى مشاهد الرواية ذلك الذي يمارس فيه الأب (عماد) الرذيلة مع ابنه غيث. ويجسد هذا المشهد رمزية اغتصاب السلطة وتوريث العنف، بوصفه وسيلة لاستمرار القبح المتوارث منذ خمسة عقود. وبانتحار عماد، تُطوى صفحة العار، على أمل أن تبدأ الحياة بإشراقة جديدة، كما صمم الحالمون بغد أجمل. وعلى وقع نداء «الموت ولا المذلة»، يُهدم نفق الذل.
التحول الكبير
أدركت سميرة المسالمة، منذ الشرارة الأولى للثورة، أن النظام سيستخدم وسائل الإعلام سلاحًا في مواجهة قوى التغيير. وآثرت المسالمة القيم النبيلة والفضيلة، بوصفها مثقفة طليعية، وتخلت عن دور المثقف الكلاسيكي الذي يبرر جرائم القتل بمزاعم مواجهة السلفية والتطرف.
وأفردت المسالمة صفحات من الرواية لرمزية البوعزيزي واغتيال الحريري، بوصفهما علامتين فارقتين في عالم الجريمة. وكانت المسالمة تشغل منصب رئيسة تحرير جريدة «تشرين» الرسمية. وعلى الرغم من الضغوط التي مورست عليها وعلى عائلتها، والقمع الذي عانت منه، اختارت التخلي عن مزايا السلطة، والهتاف مع جموع الشعب، والخروج من عباءة الذل ومصيدة نظام أدواته القتل والعنف النفسي.
* الرواية صادرة عن دار «ضفاف» في بيروت عام 2014.