“فايننشال تايمز”: تمدد الإخوان داخل الجيش السوداني يثير مخاوف إقليمية ودولية
أعادت الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023 تسليط الضوء على تنامي نفوذ التيارات الإسلامية داخل الجيش السوداني، خصوصا جماعة الإخوان، الأمر الذي أثار انتقادات غربية متزايدة للمؤسسة العسكرية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وسط مخاوف من عودة رموز نظام الرئيس السابق عمر البشير إلى المشهد السياسي والأمني عبر بوابة الحرب ضد قوات الدعم السريع.
وبينما تمكن الجيش السوداني خلال العام الماضي من استعادة أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم بدعم من تشكيلات مسلحة متحالفة معه، برز الدور المتصاعد لكتائب إسلامية ومجموعات توصف بأنها قريبة من جماعة الإخوان والحركة الإسلامية السودانية، وهو ما أثار قلق الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، خصوصًا في ظل الحديث عن تنسيق وعلاقات متجددة مع إيران.
ووفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، فإن البرهان وجد نفسه مضطرًا للاعتماد على تلك الجماعات المسلحة لتعويض الخسائر التي تعرض لها الجيش في المراحل الأولى من الحرب، رغم ما يمثله ذلك من حرج سياسي ودبلوماسي بالنسبة له في ظل سعيه للحصول على اعتراف ودعم دوليين.
وأشار التقرير إلى أن من أبرز هذه التشكيلات "كتيبة البراء بن مالك"، التي وُصفت بأنها وحدة قتالية نخبوية مرتبطة بالإخوان المسلمين، وتم دمجها رسميًا داخل الجيش السوداني. ولعبت الكتيبة دورًا بارزًا في العمليات العسكرية التي انتهت باستعادة الخرطوم من قبضة قوات الدعم السريع العام الماضي.
ويرى مراقبون أن تنامي حضور الإسلاميين داخل الجيش السوداني يعكس فشل محاولات تفكيك البنية الأيديولوجية التي تشكلت خلال حكم الرئيس المعزول عمر البشير، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989 بدعم من الحركة الإسلامية السودانية.
وقالت الصحيفة إن قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ظلت خاضعة لنفوذ الإسلاميين حتى بعد الإطاحة بالبشير عام 2019، بسبب عدم نجاح المرحلة الانتقالية القصيرة في تنفيذ إصلاحات جذرية داخل الجيش أو إعادة هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية.
ونقلت الصحيفة عن ضابط استخبارات سوداني سابق قوله إن الجيش "ما زال جيشًا سياسيًا"، مشيرًا إلى أن العديد من الضباط جرى تجنيدهم سابقًا على أساس الولاء للحركة الإسلامية والإخوان المسلمين، وأن أغلب هؤلاء بقوا داخل المؤسسة العسكرية حتى اليوم.
كما أشار التقرير إلى أن البرهان يواجه صعوبة في التخلص من النفوذ الإسلامي داخل الجيش بسبب اعتماده الميداني على تلك المجموعات المسلحة، خاصة مع استمرار الحرب وعدم قدرة الجيش على تحقيق حسم كامل ضد قوات الدعم السريع.
وقال الخبير السوداني في تسوية النزاعات سليمان بلدو إن البرهان "لا يستطيع فعليًا التخلص من الإسلاميين"، موضحًا أن قائد الجيش يلجأ أحيانًا إلى إجراءات رمزية ضد بعض الضباط المحسوبين على التيار الإسلامي، لكنه لا يملك بديلًا حقيقيًا عنهم على الأرض.
وتزايدت الانتقادات الغربية للجيش السوداني بعد اتهامات أميركية لإيران بتقديم دعم عسكري لبعض الفصائل الإسلامية المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية، بما في ذلك تزويدها بطائرات مسيرة وذخائر.
وبحسب التقرير، فإن الحرب أعادت طهران إلى الساحة السودانية بعد سنوات من تراجع نفوذها، حيث اتهمت واشنطن الحرس الثوري الإيراني بتقديم تدريب وتسليح لعناصر من كتيبة البراء بن مالك، وهي اتهامات عززت المخاوف الأميركية من تحوّل السودان مجددًا إلى ساحة نفوذ إيراني على البحر الأحمر.
وفي مارس الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على جماعة الإخوان المسلمين السودانية وصنفتها "منظمة إرهابية عالمية"، معتبرة أن الجماعة تساهم في إطالة أمد الحرب الأهلية بدعم من إيران.
كما فرضت واشنطن عقوبات على كتيبة البراء بن مالك، متهمة إياها بعرقلة جهود وقف إطلاق النار والانخراط في عمليات قتالية ذات طابع أيديولوجي.
وترى دوائر غربية أن تنامي نفوذ الإسلاميين داخل الجيش السوداني يهدد أي فرص لعملية سياسية مستقبلية، ويعزز مخاوف العودة إلى نموذج الحكم الإسلامي الذي ساد خلال عهد البشير، حين تحول السودان إلى مركز لاستضافة شخصيات وتنظيمات إسلامية متشددة، من بينها زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن.
وفي المقابل، تحاول القيادة العسكرية السودانية التقليل من حجم نفوذ الإسلاميين داخل الجيش، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التحالفات العسكرية التي تحتاجها في مواجهة الدعم السريع.
لكن مراقبين يرون أن اعتماد الجيش المتزايد على الفصائل الإسلامية يضعف صورته كمؤسسة وطنية جامعة، ويعزز الاتهامات بأنه بات أقرب إلى تحالف عسكري-أيديولوجي يسعى إلى إعادة إنتاج النظام القديم تحت غطاء الحرب.
ويقول محللون إن البرهان بات عالقًا بين ضغوط خارجية تطالب بإبعاد الإسلاميين عن المؤسسة العسكرية، وواقع ميداني يجعله بحاجة ماسة إلى المقاتلين الإسلاميين الذين لعبوا دورًا حاسمًا في منع انهيار الجيش خلال السنوات الأخيرة من الحرب.