"ذا نيويورك تايمز": جنرالات الأسد يخططون لتمرد داخل سوريا

كشفت صحيفة "ذا نيويورك تايمز" عن تحركات سرّية يقودها جنرالات وضباط كبار في نظام بشار الأسد السابق، يهدفون من خلالها إلى إشعال تمرد مسلح داخل سوريا، بعد عام تقريبًا على سقوط النظام وانهيار قبضته الأمنية والعسكرية على البلاد.

وبحسب تقرير استقصائي للصحيفة الأميركية، فإن هؤلاء القادة، الذين فرّ معظمهم إلى الخارج عقب سقوط النظام في أواخر عام 2024، يعملون منذ أشهر على إعادة تنظيم شبكاتهم العسكرية والأمنية، مستفيدين من علاقاتهم القديمة داخل الجيش والمخابرات، ومن التوترات السياسية والطائفية التي لا تزال تعصف بسوريا في مرحلة ما بعد الأسد.

شبكات من المنفى

تشير نيويورك تايمز إلى أن مراكز التحرك الأساسية لهؤلاء الجنرالات باتت خارج سوريا، خصوصًا في روسيا ودول مجاورة، حيث يقيم عدد من كبار الضباط السابقين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للنظام المنهار. ومن هذه العواصم، تُدار عمليات التواصل والتمويل والتخطيط، في محاولة لإعادة بعث نفوذ فقدوه مع سقوط السلطة المركزية.

وتوضح الصحيفة أن المخطط لا يقوم على تدخل عسكري مباشر من الخارج، بل على إعادة إشعال بؤر اضطراب داخلية عبر مجموعات محلية، وفلول أمنية، وعناصر سابقة في الجيش، ما يمنح التحركات طابعًا داخليًا يصعب احتواؤه سريعًا.

الساحل السوري في قلب الخطة

بحسب التحقيق، يحتل الساحل السوري موقعًا محوريًا في هذه المخططات، باعتباره منطقة ذات رمزية سياسية وطائفية، وموطنًا تاريخيًا لكثير من قيادات النظام السابق. وترى الصحيفة أن الجنرالات السابقين يراهنون على الروابط العائلية والطائفية في هذه المناطق، وعلى مخاوف بعض السكان من التهميش أو الانتقام، لتوفير بيئة حاضنة لأي تحرك مسلح محتمل.

وتنقل نيويورك تايمز عن مصادر مطلعة أن الاتصالات تشمل تجنيد مقاتلين، وتجميع أسلحة مخزنة منذ سنوات الحرب، وتأمين خطوط تمويل عبر رجال أعمال وشبكات اقتصادية كانت مرتبطة بالنظام السابق.

أهداف تتجاوز العمل العسكري

ولا تقتصر الخطة، وفق الصحيفة، على البعد العسكري فقط، بل تتضمن أبعادًا سياسية وإعلامية ودبلوماسية. إذ يسعى بعض قادة النظام السابق إلى تقديم أنفسهم، في الخارج، كـ«قوة قادرة على ضبط الفوضى»، في محاولة لاستقطاب تعاطف أو قبول دولي، مستغلين المخاوف الغربية من الانزلاق الأمني أو عودة الجماعات المتطرفة.

وفي هذا السياق، تحدث التحقيق عن محاولات ضغط غير مباشرة في واشنطن، يقودها وسطاء وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق، بهدف التأثير على دوائر صنع القرار، وإعادة طرح فكرة أن بقايا النظام قد تكون «شرًا أقل» مقارنة بحالة عدم الاستقرار الحالية.

أسماء ثقيلة من الماضي

ورغم تحفظ الصحيفة على ذكر جميع الأسماء، إلا أنها تشير بوضوح إلى تورط جنرالات مخابرات وقادة وحدات نخبوية سابقين، كانوا معروفين بدورهم المركزي في إدارة الحرب وقمع المعارضة خلال السنوات الماضية.

وتلفت نيويورك تايمز إلى أن هؤلاء القادة يمتلكون خبرة طويلة في العمل السري، وبناء الشبكات، وإدارة الحروب غير النظامية، ما يجعل تحركاتهم مصدر قلق حقيقي للحكومة السورية الجديدة، رغم محدودية إمكاناتهم مقارنة بما كان عليه النظام سابقًا.

الحكومة السورية تقلل من الخطر

في المقابل، تنقل الصحيفة عن مسؤولين في الحكومة السورية الحالية أنهم لا يرون في هذه التحركات تهديدًا استراتيجيًا واسع النطاق، بل يعتبرونها محاولات يائسة من بقايا نظام منهار.

وأكدت مصادر رسمية، وفق التقرير، أن الأجهزة الأمنية الجديدة تتابع هذه الشبكات عن كثب، وأنها تمكنت بالفعل من إحباط بعض التحركات المحدودة، واعتقال عناصر كانت على صلة بمخططات تخريبية في عدد من المناطق.

غير أن نيويورك تايمز تشير إلى أن الاستخفاف الكامل بهذه التحركات قد يكون خطأً، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع الأمني، وتعدد مراكز القوة، وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة.

مخاطر الانزلاق مجددًا

يرى محللون تحدثوا للصحيفة أن أخطر ما في هذه المخططات ليس قدرتها الفعلية على إعادة النظام السابق، بل إمكانية دفع سوريا إلى دوامة جديدة من العنف، عبر عمليات اغتيال، أو هجمات متفرقة، أو إثارة صراعات محلية ذات طابع طائفي أو مناطقي.

كما يحذر التقرير من أن أي تصعيد داخلي قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية غير مباشرة، حيث قد تجد بعض الأطراف الخارجية في الفوضى فرصة لإعادة توسيع نفوذها داخل سوريا، بما يعقّد مسار الانتقال السياسي وإعادة الإعمار.

مرحلة ما بعد الأسد… صراع خفي

تخلص نيويورك تايمز إلى أن سقوط نظام بشار الأسد لم ينهِ الصراع السوري، بل نقله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا، عنوانها الصراع الخفي، وشبكات النفوذ، ومحاولات الانتقام السياسي.

وفيما تحاول الحكومة الجديدة تثبيت أركان الدولة، وإعادة بناء المؤسسات، تظل تحركات جنرالات النظام السابق اختبارًا حقيقيًا لقدرة سوريا على طي صفحة الماضي دون العودة إلى العنف.

وتؤكد الصحيفة أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه المخططات ستظل في إطار التخطيط السري، أم ستتحول إلى تهديد أمني فعلي يعيد البلاد إلى مربع الاضطراب، بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

Previous
Previous

مواطنون من غزة: قبل 7 أكتوبر كانت الحياة بالقطاع تشهد تقدمًا وتطورًا لكن حماس دمرت كل شيء

Next
Next

مركز أبحاث بـ"هارفارد": رفع العقوبات عن سوريا ليس ضمانًا للانتعاش الاقتصادي