مركز أبحاث بـ"هارفارد": رفع العقوبات عن سوريا ليس ضمانًا للانتعاش الاقتصادي

أثار قرار الولايات المتحدة الأميركية بإلغاء قانون قيصر للعقوبات المفروضة على سوريا في نهاية عام 2025 جدلًا واسعًا حول أثره على مستقبل الاقتصاد السوري.

ففي تقرير نشره مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في جامعة هارفارد، قدم الباحثون تحليلًا معمقًا للواقع السوري بعد رفع العقوبات، مسلطين الضوء على الفجوة الكبيرة بين التوقعات الاقتصادية والنتائج الفعلية المحتملة على الأرض.

خلفية القرار

كانت العقوبات الأميركية على سوريا جزءًا من سياسة الضغط المستمرة منذ عقود، وتصاعدت بشكل كبير بعد اندلاع الحرب الأهلية في 2011. وقد صُمم قانون قيصر لفرض قيود صارمة على الاقتصاد السوري، بهدف ممارسة ضغط على النظام السابق لارتكابه انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. هذه العقوبات لم تؤثر فقط على الحكومة، بل شلت الاقتصاد بأكمله، وعطلت القنوات المصرفية، وأثرت على الاستثمار المحلي والدولي، وأدت إلى تراجع الإنتاج في قطاعات رئيسية مثل الصناعة والزراعة والخدمات.

وبعد الإطاحة بالنظام السابق وبدء مرحلة انتقالية تحت قيادة أحمد الشرع، رأت واشنطن أن استمرار العقوبات الشاملة بات أقل ملاءمة، وقد يعيق جهود إعادة الاستقرار وإعادة اللاجئين إلى سوريا. لذلك جاء قرار رفع قانون قيصر كخطوة لتخفيف الضغوط على الاقتصاد وإعطاء مساحة أكبر للاستثمار الدولي، لكنه لا يمثل نهاية القيود أو ضمانًا للانتعاش الفوري.

ما الذي تغيّر فعليًا؟

وفق التحليل الذي قدمه مركز بيلفر، فإن رفع العقوبات لا يعني إزالة كل القيود الاقتصادية، فهناك عناصر أساسية لا تزال قائمة، أبرزها:

تصنيف سوريا كـ"دولة راعية للإرهاب"، ما يفرض قيودًا على التحويلات المالية الدولية والتعامل مع النظام المصرفي.

عقوبات مستهدفة ضد أفراد وكيانات مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان أو بعلاقات مع قوى إقليمية مثل إيران وروسيا.

قيود إضافية على بعض القطاعات الحساسة، بما في ذلك تجارة الأسلحة والطاقة.

وبالتالي، فإن رفع قانون قيصر يخفف من القيود الثانوية التي كانت تمنع المستثمرين من التعامل مع الاقتصاد السوري، لكنه لا يزيل العقوبات الأساسية التي تحد من النشاط الاقتصادي على نطاق واسع.

الآثار الاقتصادية المتوقعة

يوفر رفع العقوبات فرصة لتقييم الفرص الاقتصادية وإعادة النظر في خطط الاستثمار، خصوصًا في قطاعات التجارة والخدمات والزراعة. ويمكن أن يساعد ذلك على تخفيف مستوى عدم اليقين القانوني أمام البنوك والشركات الأجنبية. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه الخطوة بداية لانفجار اقتصادي أو انتعاش شامل، فالواقع الداخلي ما زال يعاني من تحديات كبيرة.

أبرز هذه التحديات هي:

ضعف المؤسسات الحكومية وعدم كفاءتها في إدارة الاقتصاد.

تفشي الفساد وصعوبة تطبيق سيادة القانون.

تدمير البنية التحتية بعد سنوات الحرب الطويلة.

انعدام الاستقرار الأمني في بعض المناطق.

هذه العوامل تجعل المستثمرين حذرين، وتحد من قدرة الاقتصاد السوري على التعافي السريع حتى بعد رفع العقوبات.

الأزمة الهيكلية السورية

يشير تقرير مركز بيلفر إلى أن العقوبات لم تكن السبب الوحيد لتراجع الاقتصاد، بل لعبت السياسات الداخلية والإدارة الاقتصادية السيئة دورًا كبيرًا في الركود المستمر. فحتى مع رفع العقوبات، تظل الدولة السورية بحاجة إلى إصلاحات هيكلية لتعزيز القطاعات الاقتصادية، وتحسين إدارة الموارد، وضمان بيئة قانونية واضحة وجاذبة للاستثمار.

ومن هذا المنطلق، يمثل رفع قانون قيصر فرصة وليست حلاً سحريًا، فهو يفتح المجال أمام استغلال أفضل للموارد المحلية ويخفف العزلة الاقتصادية، لكنه لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية التي تعود إلى سنوات طويلة من الصراع وسوء الإدارة.

الحوكمة والسياسات الداخلية

يشدد التحليل على أن العامل الحاسم في نجاح المرحلة القادمة هو تحسين الحوكمة والسياسات الداخلية. فرفع العقوبات وحده لا يكفي، ويجب أن يتزامن مع:

تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.

بناء مؤسسات قوية تستطيع إدارة الاقتصاد وتطبيق سيادة القانون.

تطوير بنية تحتية أساسية لدعم الإنتاج والنقل والطاقة.

حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين لضمان بيئة مستقرة للاستثمار.

بدون هذه الإصلاحات، فإن فرص الانتعاش الاقتصادي ستظل محدودة، وستستمر الصعوبات في التأثير على حياة السوريين اليومية.

الخلاصة

يوضح تقرير مركز بيلفر أن رفع العقوبات الأميركية خطوة إيجابية نحو إعادة إدماج سوريا في الاقتصاد العالمي، لكنه ليس ضمانًا للانتعاش الاقتصادي. فالنجاح يعتمد على قدرة الحكومة السورية على استغلال هذه الفرصة بحكمة، وإجراء إصلاحات هيكلية حقيقية تعزز الحوكمة وتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وبهذه الطريقة، يمكن أن يشكل رفع العقوبات بداية لمسار طويل نحو التعافي، وليس نهاية الطريق أو حلاً سريعًا لمشاكل الاقتصاد السوري المتراكمة.

Previous
Previous

"ذا نيويورك تايمز": جنرالات الأسد يخططون لتمرد داخل سوريا

Next
Next

الفنانة اللبنانية أنطوانيت عقيقي: أشارك في مسلسل كوميدي خلال الموسم الرمضاني