مذكرات عبدالحليم خدام: موجز الأخبار في سيرة الأشرار

صدرت مذكرات عبدالحليم خدام عن تاريخ سوريا وتاريخ حزب البعث في مجلد واحد، ولو أُتيح لكاتب المذكرات كتابة جرائم القتل وقصص الفساد ونهب المال العام منذ عام 1963 إلى عام 2005، لاحتاج الأمر إلى مجلدات تضاهي «مقدمة ابن خلدون» البالغة سبعة مجلدات.

صعد عبدالحليم خدام قطار البعث مع استلام هذا الحزب السلطة، وترجّل منه في أقرب محطة إلى الإخوان المسلمين، ألدّ أعداء حافظ الأسد، في «جبهة الخلاص»، التي كانت نموذجًا لبؤس التحالف وتحالف البؤس.

الشخصيتان الرئيسيتان في المذكرات هما: بشار الأسد، وصاحب المذكرات التي أملاها على الصحفي المعروف إبراهيم الحميدي.

الشخصيتان لا تحظيان باحترام الشعب في سوريا، بعد أن تكشّف أن بشار الأسد منفصل عن الواقع؛ فبحضور فاروق الشرع، اتهم الملك عبدالله، ملك المملكة العربية السعودية، بشار الأسد بالكذب. وهذا ما أكده أكثر من مصدر دبلوماسي وسياسي عربي.

تسبب بشار الأسد أيضًا في حرب أهلية خلّفت مئات الألوف من الضحايا، وهجرة وتشريد الملايين، لضيق أفقه وضحالة تفكيره. ولم يكن بشار الأسد مؤهلًا، لا ثقافيًا ولا سلوكيًا، للتوريث.

أما صاحب المذكرات، نائب رئيس الجمهورية سابقًا، فلم تنفعه صحوة الضمير مؤخرًا؛ فهو شريك في سلطة مارست الجريمة ونهب المال العام طوال أربعة عقود، ولم يكن بعيدًا عن دوائر الفساد والإثراء غير المشروع، حتى وصل به الأمر إلى جلب نفايات نووية ودفنها في صحراء تدمر.

تُهم متبادلة

طلب عبدالحليم خدام من حافظ الأسد إعفاءه من مسؤولية إدارة لبنان، بعد أن أدرك خدام أن بشار أقنع والده بإدارة الملف اللبناني خدمةً لحلفائهم من اللبنانيين والإيرانيين.

استلم بشار الأسد ملف لبنان عام 1998، وفشل الأسد الابن في إدارة النزاعات الطائفية والحزبية في بيروت، بعد أن فرض إميل لحود رئيسًا، رغم عدم موافقة دول الخليج وأوروبا، كخيار وحيد.

توفي حافظ الأسد في 10 حزيران من عام 2000. وتباعًا، تخلّص بشار الأسد من الحرس القديم، وقدم نفسه كمجدد وعصري لتحديث سوريا بعد ترهلها سياسيًا وتفشي الفساد في عائلته وبين حاشية والده على نحو غير مسبوق.

حينها أدرك خدام أن حلمه في أن يتبوأ منصب الرئاسة قد تلاشى، خاصة بعد جريمة قتل رفيق الحريري عام 2005 في بيروت.

كان قرار خدام بتقديم استقالته نهائيًا عندما غادر دمشق؛ إذ انهالت عليه تهم الفساد، وأخرج النظام «ملف النفايات النووية» من أدراجه، وتم التشهير بخدام في مجلس الشعب.

كما فتح خدام النار على كبار الفاسدين من عائلتي مخلوف والأسد، واصفًا رامي مخلوف وبشار الأسد بـ«حيتان المال».

كاد المُريب أن يقول خذوني

حسب رواية خدام، قاطع النظام جنازة رفيق الحريري، ولم يُرسل وفدًا لتقديم واجب العزاء، وفي اليوم التالي كتبت صحف النظام خبر الوفاة باقتضاب وبطريقة مهينة.

ذهب خدام لتقديم واجب العزاء، وآبَ في ذات الليلة، ولم يُدلِ بتصريح للصحافة، وفقًا لتعليمات مدير مكتب بشار الأسد، خشيةً من بطش الأجهزة الأمنية.

اعتمد حافظ الأسد في إدارة الحكم على طبقتين؛ الأولى تلعب دور الكومبارس، مثل عبدالله الأحمر، ومصطفى طلاس، وزير دفاع مزمن خبير بالورد والطبخ، وعبدالقادر قدورة، ومحمود الزعبي، وفاروق الشرع، وعبدالحليم خدام بالطبع، وآخرين.

أما الطبقة الثانية، فكانت من القادة العسكريين وقادة الأفرع الأمنية المؤثرين، كعلي دوبا، وعلي حيدر، وذو الهمة شاليش.

هل توهّم عبدالحليم خدام، بعد وفاة حافظ الأسد، بأنه سيستلم سدة الحكم في دمشق؟ عمليًا، ساهم خدام في التوريث، حتى لو تنكّر لذلك.

وافق خدام على تعديل المادة 83 من الدستور المتعلقة بعمر رئيس الجمهورية. وكانت رواية النظام آنذاك: «إما التوريث أو حرب أهلية».

«يجب ألا ننسى أن الأسد الأب بنى نظامًا وضع فيه السوريين أمام خيارين: إما القبول بالنظام بكل ما فيه من أخطاء، أو الحرب الأهلية».. انتهى الاقتباس.

استبشرت قوى المجتمع المدني والديمقراطي في لبنان وسوريا باستلام رئيس شاب وطموح سدة الحكم، على أمل معالجة الهيمنة السورية على لبنان بطرق وأساليب أفضل، والافتراق عن محور طهران، والانخراط في العمق العربي، ولتصحيح العلاقة الأخوية بين البلدين، وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإصلاح القضاء.

خاب أمل القوى الوطنية في بيروت ودمشق بعد اعتقالات طالت نشطاء «إعلان دمشق» ومحاكمات صورية مجحفة.

ساهم خدام في إدانة بيان المثقفين الـ99، واتهم الموقعين بالعمالة للإمبريالية والصهيونية!

أسدل بشار الأسد الستار على إمكانية الانفتاح وتعديل الدستور، وحسب رواية عبدالحليم خدام، الذي تبنى بدوره الدعوة إلى الإصلاح، اصطدم بالدولة العميقة، التي دفعته إلى الانشقاق وترك دمشق دون التفكير في العودة إليها إلا عبر تمرد عسكري أو تحالف شعبي للإطاحة بسلطة بشار الأسد!؟

* صدرت المذكرات (الجزء الأول) عن دار «رفّ» للنشر التابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام.

Previous
Previous

حظر حماس وجماعة الإخوان في الشرق الأوسط.. كما حُظرت النازية في أوروبا

Next
Next

الفنان نوار بلبل لفناني سوريا: خشبات المسرح لكم.. فأبدعوا