حظر حماس وجماعة الإخوان في الشرق الأوسط.. كما حُظرت النازية في أوروبا

بقلم: حميد قرمان

شكّلت أحداث السابع من أكتوبر فاصلاً بين مرحلتين؛ مرحلة المواربة والمجاملات السياسية، ومرحلة المواجهة المكشوفة مع العبث الذي تقوده الحركات المؤدلجة. لم يكن ما جرى مجرد جولة تصعيد عسكري، بل دليلاً دامغاً على عبثية النهج السياسي والعسكري لحركة حماس، وهو نهج يتصل عضوياً بالمنظومة الفكرية والتنظيمية لجماعة الإخوان المسلمين التي انبثقت عنها. لقد أثبتت الوقائع الكارثية أن هذه الجماعات لا تملك مشروعاً لبناء الدول أو حماية الشعوب، بل تكتفي بالمقامرة بمصائر الملايين وسرقة أموالهم، خدمةً لأجندات عابرة للحدود وارتباطات إقليمية مشبوهة.

إن قطار التشريع الحازم يجب ألا ينطلق من الفراغ، بل من نقطة الارتكاز التي تجسّد هذا العبث اليوم؛ والمطالبة بحظر حركة حماس باتت تمثل الخطوة الأولى والمدخل الإجباري لحظر جماعة الإخوان المسلمين ككل. لا يمكن الحديث عن تجفيف منابع الإرهاب وتفكيك بنية التطرف في المنطقة، بينما يتم التغاضي عن الذراع العسكري والميداني الأكثر مقامرةً بمصائر الشعوب. إن حظر «حماس» وتجريدها من أي غطاء سياسي أو قانوني في عواصم الشرق الأوسط هو الحجر الأساس الذي سيتهاوى عليه البناء التنظيمي للإخوان؛ إذ لم يعد مقبولاً الفصل الزائف بين الفرع والأصل، ولا يمكن مداواة الجسد بينما يُترك العضو المصاب ينشر سمومه في المنطقة. البداية يجب أن تكون من هنا: حظر حماس قانونياً، وملاحقة قادتها، وشل حركتها، كإعلان رسمي عن بدء معركة الاجتثاث الشاملة للتنظيم الأم.

إن هذا العبث المستمر، الذي يدفع المواطن العربي ثمنه من أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه، يفرض استحقاقاً تاريخياً لا يقبل التأجيل أو التردد. لم يعد تشخيص الداء أو الاكتفاء بالإدانات الإعلامية والتحذيرات السياسية كافياً؛ بل بات من الملحّ صياغة تشريعات صارمة على مستوى دول الشرق الأوسط لحظر جماعة الإخوان المسلمين وكافة التيارات المنبثقة عنها حظراً مطلقاً. إن أمن المجتمعات العربية واستقرار دولها يتصدران الأولويات، ولا يمكن صيانتهما إلا بترسانة قانونية نافذة تقطع دابر التغلغل التنظيمي والفكري لهذه الجماعة.

وفي هذا الصدد، ينبغي استلهام التجربة الدولية في حماية الأمن والسلم؛ فالمنظومات التشريعية الحديثة لا تُبنى من فراغ. لقد سارعت دول أوروبية، وعلى رأسها ألمانيا والنمسا، بعد الحرب العالمية الثانية، إلى سنّ تشريعات صارمة لا تزال نافذة، تهدف إلى حظر النازية واجتثاث فكرها وملاحقة رموزها، بل جرّمت بموجب «قانون الحظر» استخدام رموزها أو الترويج لأدبياتها الشمولية. ونظراً لتبني جماعة الإخوان المسلمين النزعة الإقصائية والشمولية ذاتها، القائمة على تقويض الكيانات الوطنية ونشر الكراهية، بات لزاماً على دول الشرق الأوسط، أكثر من أي وقت مضى، اتخاذ إجراءات وآليات قانونية حاسمة مماثلة. إن تجريم هذه الجماعة يجب أن يتم بالصرامة والمنهجية اللتين حُظرت بهما النازية في أوروبا؛ إذ يمثل الطرفان وجهين لعملة واحدة تستهدف زعزعة استقرار الدول والمجتمعات من الداخل.

إن هذه الترسانة القانونية المطلوبة يجب أن تكون واضحة ومباشرة في استهدافها، بحيث تُجرّم رموز الجماعة وأنشطتها، وكل من يروّج لأفكارها أو يبرر أفعالها تحت أي غطاء، سواء كان دعوياً أو خيرياً أو سياسياً. يجب أن تطال الملاحقة القانونية والقضائية العناصر التنظيمية بصرامة لا تعرف الهوادة؛ فالأنظمة التي تتساهل مع تنظيمات موازية لكيان الدولة تفرّط في سيادتها. والخطوة الأكثر محورية في هذا السياق هي العمل على تجفيف منابع تمويل هذه الحركات بشكل كامل ودقيق، ومراقبة التدفقات المالية والشبكات العنكبوتية التي تتغذى عليها، لضمان شل قدرتها على الحركة، ومنعها من إعادة إنتاج نفسها أو العودة إلى النشاط بأي شكل من الأشكال.

لقد علمتنا التجارب المريرة في المنطقة أن أنصاف الحلول مع تنظيمات الإسلام السياسي لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، وأن التسامح مع خطابات المظلومية التي تتقنها هذه الجماعات يمنحها الوقت لترتيب صفوفها وتوجيه طعنات جديدة إلى خاصرة الأوطان. إن المواجهة اليوم تتطلب لغة القوة والقانون والوضوح؛ فالدول القوية هي التي تحمي مجتمعاتها بالتشريع الحازم والقرار الشجاع، وتضع مصلحة الاستقرار والتنمية فوق أي اعتبار آخر. لقد حان الوقت لإغلاق هذا الملف بصفة نهائية، وإرساء قواعد قانونية إقليمية صلبة تضمن ألّا تتكرر مغامرات العبث والمقامرة بالأرواح والمقدرات تحت أي شعار.

مجدداً، إن الأوطان لا تُبنى بالمجاملات السياسية، ولا تُحمى بمهادنة الأفكار التي لا تؤمن بكيان الدولة. لقد أثبتت الأحداث، بلغة الدم والدمار، أن غض الطرف عن مشاريع التطرف ليس إلا تأجيلاً لموعد الانفجار. إن المعركة اليوم تجاوزت كونها جولة سياسية عابرة لتصبح معركة وجود وصون للهوية الوطنية ضد أوهام الشمولية العابرة للحدود. وكما طهّرت الإنسانية قوانينها من إرث النازية، فإن الشرق الأوسط مطالب اليوم بكتابة فصله الحاسم بمداد القانون والسيادة المطلقة، ليُسدل الستار نهائياً على مسرح العبث بمصائر الشعوب؛ فالأمم القوية هي التي تلفظ الأجسام الغريبة من جسدها لتستأنف مسيرة البناء، فالتاريخ، كما أثبت، لا يرحم المترددين.

Previous
Previous

انتعاش كبير.. عودة السياحة إلى دمشق

Next
Next

مذكرات عبدالحليم خدام: موجز الأخبار في سيرة الأشرار