احتجاجات إيران.. من انتفاضة ضد الغلاء إلى تحد سياسي للنظام

تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 موجة احتجاجات واسعة تُعد من الأوسع نطاقًا خلال السنوات الأخيرة، بدأت على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وانهيار العملة المحلية، قبل أن تتطور سريعًا إلى حراك سياسي يحمل في طياته تحديًا مباشرًا للنظام الحاكم. ووفقًا لتقرير نشرته ذا نيويورك تايمز، فإن ما بدأ كغضب معيشي في الأسواق التقليدية تحوّل إلى أزمة سياسية مفتوحة، مع اتساع رقعة الاحتجاجات وتصاعد وتيرة القمع الأمني.

الشرارة الاقتصادية

انطلقت الاحتجاجات من بازار طهران الكبير، القلب الاقتصادي والتجاري للبلاد، حيث أقدم التجار وأصحاب المحال على إغلاق متاجرهم احتجاجًا على الانهيار المتسارع لقيمة الريال وارتفاع تكاليف الاستيراد والسلع الأساسية. ويحمل البازار في إيران رمزية خاصة، إذ لطالما كان مؤشرًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأي اضطراب فيه يعكس اختلالًا عميقًا في المشهد العام.

ومع استمرار إغلاق السوق لأيام متتالية، انتقلت الاحتجاجات إلى مدن أخرى مثل تبريز وأصفهان ومشهد وكرمان وشيراز، في مشهد يعكس اتساع الغضب الشعبي وعدم اقتصاره على فئة أو منطقة بعينها. ورغم المخاوف من الخسائر المالية، حافظ التجار على إضرابهم، في رسالة واضحة بأن الأزمة تجاوزت الحسابات اليومية الضيقة.

فشل الاحتواء وتصاعد القمع

بحسب ذا نيويورك تايمز، حاولت السلطات الإيرانية احتواء الغضب عبر فتح قنوات تفاوض مع ممثلي النقابات التجارية، إلا أن هذه المساعي فشلت في تهدئة الشارع. في المقابل، لجأت الأجهزة الأمنية إلى تشديد القبضة الأمنية، مستخدمة الغاز المسيل للدموع لتفريق التجمعات، إضافة إلى الاعتداء على متظاهرين داخل الأسواق ومحطات المترو.

وأُغلقت محطات نقل رئيسية، خاصة في طهران، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لعزل بؤر الاحتجاج ومنع تدفق المشاركين. كما انتشرت قوات مكافحة الشغب في شوارع عدة مدن، مستخدمة الدراجات النارية لملاحقة المتظاهرين، وسط تقارير عن إطلاق نار في بعض المناطق، ما زاد من حالة الاحتقان والخوف.

تحول نوعي في الشعارات

اللافت في هذه الجولة من الاحتجاجات ليس فقط حجمها، بل التحول السريع في طبيعة مطالبها. فبعد أيام قليلة من انطلاقها، لم تعد الشعارات تقتصر على الغلاء وتدهور المعيشة، بل بدأت تتخذ طابعًا سياسيًا صريحًا، منتقدة أداء الحكومة ومؤسسات الحكم، ومشككة في قدرة النظام على إدارة الأزمات.

هذا التحول يعكس، وفق مراقبين، تآكل الثقة الشعبية في الحلول الاقتصادية الجزئية التي تقدمها الحكومة، واعتقادًا متزايدًا بأن جذور الأزمة أعمق من مجرد سياسات مالية، وتمس بنية الحكم نفسها.

أزمة هيكلية متراكمة

تعكس الاحتجاجات الحالية تراكم أزمات اقتصادية ممتدة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع فرص العمل، وتآكل الطبقة الوسطى، إضافة إلى تأثير العقوبات الخارجية وسوء الإدارة الاقتصادية. هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة قابلة للاشتعال، جعلت أي صدمة مالية أو تراجع جديد في العملة كفيلًا بإشعال الشارع.

وترى ذا نيويورك تايمز أن اتساع رقعة الاحتجاجات جغرافيًا واجتماعيًا يُضعف قدرة السلطات على احتوائها بسرعة، خاصة مع انخراط فئات كانت تقليديًا أكثر حذرًا، مثل التجار وأصحاب الأعمال.

الرهانات السياسية للنظام

في مواجهة هذا المشهد، يجد النظام الإيراني نفسه أمام معادلة صعبة: إما المضي في القمع وتشديد القبضة الأمنية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التصعيد، أو تقديم تنازلات سياسية واقتصادية أعمق قد تُفسر كضعف. وحتى الآن، يبدو أن الخيار الأمني هو الغالب، ما يزيد من احتمالات اتساع دائرة الاحتجاج بدل احتوائها.

خاتمة

تحولت احتجاجات إيران من انتفاضة معيشية ضد الغلاء إلى تحدٍ سياسي حقيقي للنظام، في مشهد يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تمر بها البلاد. ومع استمرار الإضرابات واتساع نطاق الاحتجاجات، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة النظام على استعادة السيطرة دون دفع البلاد إلى مزيد من الاضطراب. ما هو واضح، وفق قراءة ذا نيويورك تايمز، أن إيران دخلت مرحلة جديدة من المواجهة بين الشارع والسلطة، تتجاوز الحسابات الاقتصادية إلى صراع على الثقة والشرعية.

Previous
Previous

“رويترز”: “القوات الشعبية: تطارد قيادات حماس في غزة

Next
Next

رجل يحمل قطته بين ذراعيه.. لقطات إنسانية من خروج المدنيين بحي الشيخ مقصود بحلب