بسلاح "العقوبات".. أميركا تتدخل لكبح الإخوان وإيران في السودان
شعار “لواء البراء بن مالك” التابع لجماعة الإخوان في السودان والداعم للجيش. (أرشيفية: الإنترنت)
وكالات
في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة واشنطن للأزمة السودانية، أعلنت الولايات المتحدة تصنيف "جماعة الإخوان" في السودان منظمة إرهابية أجنبية، في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد الحرب الداخلية وتزايد مؤشرات التغلغل الإيراني في البلاد، القرار لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن باتت ترى في الجماعة أحد أبرز معوّقات الاستقرار، وعنصراً محورياً في تعقيد المشهد العسكري والسياسي.
وركز تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى على هذا التطور، الذي يأتي في سياق أوسع من التحركات الأميركية الهادفة إلى احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث ربط مسؤولون أميركيون بين الخطوة والجهود المبذولة لمواجهة ما وصفوه بـ"التأثير الخبيث" لطهران.
إرث البشير.. شبكات باقية رغم السقوط
لفهم أبعاد القرار الأميركي، لا بد من العودة إلى جذور العلاقة بين "جماعة الإخوان" ومؤسسات الدولة السودانية، فعلى مدى ثلاثة عقود، شكّلت الجماعة العمود الفقري لنظام الرئيس السابق عمر البشير، وأسهمت في صياغة توجهاته الأيديولوجية والسياسية، بما في ذلك الانفتاح على الحركات الإسلامية العابرة للحدود.
وخلال تلك الفترة، تحوّل السودان إلى مركز نشاط لهذه الشبكات، مستضيفاً شخصيات بارزة ومجموعات متشددة، في إطار سياسة ممنهجة لتعزيز النفوذ الإقليمي، ورغم الإطاحة بالبشير عام 2019، لم تختفِ هذه الشبكات، بل ظلت متغلغلة داخل مفاصل الدولة، خاصة في المؤسسة العسكرية والأمنية، مستفيدة من غياب عملية تفكيك شاملة.
الحرب كفرصة لإعادة التموضع
مع اندلاع الحرب الحالية في السودان، وجدت الجماعة فرصة لإعادة ترتيب صفوفها واستعادة نفوذها، فقد عملت على تقديم نفسها كحائط صد في مواجهة "انهيار الدولة"، وهو خطاب مكّنها من الحفاظ على حضورها داخل هياكل السلطة، بل وتعزيزه في بعض المواقع.
وتشير تقارير إلى أن الجماعة أسهمت في تعبئة وتجنيد آلاف المقاتلين لصالح الجيش السوداني، ما منحها دوراً عملياً في إدارة الصراع، وأعاد تثبيت موقعها كلاعب لا يمكن تجاهله، وفي هذا السياق، تبدو الحرب بالنسبة لها ليست مجرد أزمة، بل مساحة لإعادة إنتاج النفوذ وتأجيل أي مسار للمساءلة أو الإقصاء.
عودة إيران عبر البوابة السودانية
بالتوازي مع صعود دور الجماعة، برزت مؤشرات على عودة قوية لإيران إلى الساحة السودانية، بعد سنوات من القطيعة الرسمية، فقد فتح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قنوات التواصل مجددا مع طهران في أواخر عام 2023، في ظل حاجة متزايدة إلى الدعم العسكري، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة.
هذه العودة لم تكن مفاجئة بالكامل، إذ تستند إلى إرث من العلاقات التي تعود إلى عهد البشير، حين كانت الخرطوم محطة مهمة ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، وتشير معطيات إلى أن طهران تسعى إلى استغلال الوضع الراهن لتحويل السودان إلى نقطة ارتكاز لوجستية، سواء لتخزين الأسلحة أو لدعم حلفائها الإقليميين.
في هذا الإطار، تتقاطع مصالح إيران مع شبكات "الإخوان"، ما يخلق بيئة معقدة من التحالفات غير الرسمية، ويعزز المخاوف الأميركية من تحول السودان إلى حلقة وصل في مشروع إقليمي أوسع.
البرهان بين الضغوط والتوازنات
يضع القرار الأميركي قائد الجيش السوداني في موقف بالغ التعقيد، إذ يجد نفسه بين ضغوط خارجية تدفع نحو فك الارتباط مع الجماعة، وواقع داخلي تُمسك فيه عناصر مرتبطة بها بمفاتيح مهمة داخل المؤسسة العسكرية.
وتشير مؤشرات عدة إلى أن سيطرة البرهان على كامل مفاصل الجيش ليست مطلقة، في ظل وجود فصائل وتيارات تتمتع بهوامش استقلالية، وبعضها يرتبط أيديولوجياً أو تنظيمياً بالجماعة. هذا الواقع يحدّ من قدرته على اتخاذ قرارات جذرية، ويجعل أي محاولة لإقصاء هذه العناصر محفوفة بمخاطر داخلية.
كما أن مواقف متناقضة صدرت في بعض الأحيان عن عناصر داخل الجيش، سواء فيما يتعلق بإيران أو بالتحالفات الإقليمية، تعكس حجم التباينات داخل المؤسسة العسكرية، وتسلّط الضوء على هشاشة التماسك الداخلي.
تداعيات إقليمية واختبار للحلفاء
لا تقتصر تداعيات التصنيف الأميركي على الداخل السوداني، بل تمتد إلى الإطار الإقليمي، خاصة في ما يتعلق بمواقف الدول الداعمة للجيش، فالسعودية ومصر، اللتان تعارضان جماعة الإخوان، وجدتا نفسيهما في موقف معقّد، إذ تدعمان مؤسسة عسكرية يُعتقد أن الجماعة تمارس نفوذاً داخلها.
في المقابل، تتخذ الإمارات موقفاً أكثر تشدداً، حيث تدعم قوات الدعم السريع جزئياً انطلاقاً من مخاوفها من نفوذ الجماعة. أما قطر وتركيا، اللتان ارتبطتا تاريخياً بعلاقات مع الإخوان، فقد تواجهان ضغوطاً إضافية في ظل التصنيف الأميركي.
هذا التباين في المواقف يعكس صعوبة بناء مقاربة إقليمية موحدة تجاه الأزمة السودانية، ويزيد من تعقيد جهود التسوية السياسية.
حدود العقوبات.. الحاجة إلى ما هو أبعد
رغم أهمية الخطوة الأميركية، إلا أن فعاليتها تبقى رهينة بقدرتها على إحداث تغيير فعلي في موازين القوى داخل السودان. فالتجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه الجماعات تمتلك قدرة عالية على التكيّف، سواء عبر تغيير الأسماء أو إعادة تشكيل الهياكل التنظيمية.
كما أن تشابك المصالح داخل المؤسسة العسكرية يجعل من الصعب تحقيق فصل سريع بين الجيش والجماعة، دون التسبب في اضطرابات داخلية قد تؤثر على سير العمليات العسكرية.
ولذلك، يرى مراقبون أن العقوبات يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع، تشمل ضغوطاً دبلوماسية مستمرة، ودعماً لمسار سياسي يفضي إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق عملية انتقالية حقيقية.
اختبار حاسم لمستقبل السودان
في المحصلة، تمثل الخطوة الأميركية بداية مرحلة جديدة في التعامل مع الأزمة السودانية، لكنها ليست نهاية الطريق، فنجاحها يتوقف على قدرة الأطراف الدولية على الحفاظ على زخم الضغط، وعلى استعداد القيادة السودانية لاتخاذ خطوات صعبة نحو إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية.
ويبقى التحدي الأكبر في قدرة السودان على الخروج من دائرة الصراعات الإقليمية، واستعادة قراره الوطني بعيداً عن نفوذ الجماعات الأيديولوجية والتحالفات الخارجية. وفي ظل تعقيدات المشهد، تبدو العقوبات أداة مهمة، لكنها وحدها لا تكفي لإحداث التحول المنشود، ما لم تُترجم إلى مسار شامل يعالج جذور الأزمة ويعيد رسم توازنات السلطة في البلاد.