"تهديد عالمي".. مركز أميركي يحذر من تداعيات انهيار "أخطر ملف أمني" في سوريا
وكالات - “جسور نيوز”
حذر مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت الأميركية من أن انهيار نظام احتجاز عناصر تنظيم "داعش" في شمال شرق سوريا مطلع العام الجاري، "يمثل تهديدًا عالميًا قد يعيد تشكيل خريطة الإرهاب خلال المرحلة المقبلة".
وأكد المركز الأميركي في دراسة تحليلية أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد خلل أمني مؤقت، بل هو نتيجة تراكمات ممتدة لسنوات من السياسات غير المكتملة، والغياب شبه الكامل لإجماع دولي حول كيفية التعامل مع آلاف المقاتلين وعائلاتهم، وهو ما أدى في النهاية إلى انهيار "أخطر ملف أمني" في سوريا بشكل فوضوي.
انهيار متوقع ونهاية فوضوية
بدأت ملامح الانهيار مع سلسلة من عمليات الهروب الجماعي، أبرزها من مخيم "الهول"، حيث فرّ أكثر من 20 ألف شخص خلال فترة قصيرة، في واحدة من أكبر عمليات التفكك الأمني المرتبطة بملف التنظيم منذ سقوط "الخلافة" عام 2019.
وفي محاولة لاحتواء الموقف، جرى نقل نحو 5700 من المقاتلين الذكور إلى العراق، إلا أن هذه الخطوة، بحسب التقرير، لم تعالج جذور الأزمة، بل ساهمت في إعادة توزيع الخطر جغرافيًا بدلًا من احتوائه.
ويشير التقرير إلى أن هذا السيناريو كان متوقعًا إلى حد كبير، نظرًا للتحذيرات المتكررة من هشاشة البنية الأمنية في مراكز الاحتجاز، وغياب حلول طويلة الأمد.
جذور الأزمة.. احتجاز بلا أفق
تعود جذور هذه الأزمة إلى ما بعد سقوط تنظيم داعش في عام 2019، عندما تم احتجاز عشرات الآلاف من عناصر التنظيم وعائلاتهم، معظمهم من النساء والأطفال، داخل مخيمات ومراكز احتجاز تديرها قوات سوريا الديمقراطية.
ورغم أن هذه المراكز أُنشئت كحل مؤقت، فإنها تحولت تدريجيًا إلى نظام احتجاز طويل الأمد، في ظل رفض العديد من الدول استعادة مواطنيها، خصوصًا المقاتلين الذكور، وغياب آلية قانونية دولية واضحة للمحاسبة.
وبحلول نهاية 2025، ظل آلاف المحتجزين دون محاكمة، بينما استمرت المخيمات في استيعاب أعداد كبيرة من النساء والأطفال، ما أدى إلى تعقيد المشهد الإنساني والأمني بشكل غير مسبوق.
بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف
لم تعد مراكز الاحتجاز مجرد أماكن لعزل عناصر التنظيم، بل تحولت مع مرور الوقت إلى بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف. فقد شهدت هذه المراكز عمليات تجنيد داخلية، وانتشارًا للعنف، ونشاطًا مكثفًا لعناصر متشددة تعمل على ترسيخ أيديولوجية التنظيم بين المحتجزين.
ويحذر التقرير من أن تنظيم داعش لطالما اعتبر السجون والمخيمات جزءًا من استراتيجيته، سواء من حيث استهدافها بعمليات اقتحام، أو استخدامها كوسيلة لإعادة بناء شبكاته.
ومع انهيار هذا النظام، لم يعد التهديد محصورًا في عناصر معروفة ومراقبة، بل تحول إلى شبكة واسعة من الأفراد المنتشرين، يصعب تعقبهم أو تقييم مستوى خطورتهم.
الأطفال.. "الجيل القادم" في دائرة الخطر
من أخطر تداعيات الأزمة، وفق التقرير، وضع آلاف الأطفال الذين نشأوا في بيئة يهيمن عليها الفكر المتطرف أو داخل مراكز الاحتجاز. هؤلاء الأطفال، الذين يشكلون نسبة كبيرة من المحتجزين، باتوا يمثلون ما يُعرف بـ"الجيل المحتمل" للتنظيم.
فغياب التعليم، والتعرض المستمر لأفكار متشددة، والحرمان من بيئة مستقرة، كلها عوامل تزيد من احتمالية تحول هؤلاء إلى عناصر فاعلة في التنظيم مستقبلًا.
وفي الوقت نفسه، يلفت التقرير إلى أن التعامل مع هؤلاء يجب أن يتم من منظور مزدوج، يراعي كونهم ضحايا في المقام الأول، دون تجاهل المخاطر الأمنية المحتملة.
تعقيدات قانونية وسياسية
إحدى أبرز العقبات التي واجهت هذا الملف، تمثلت في غياب الإطار القانوني الواضح للتعامل مع المحتجزين، خاصة أن الجهات التي أدارت مراكز الاحتجاز ليست دولًا ذات سيادة، ما حدّ من قدرتها على إجراء محاكمات أو تنفيذ عمليات ترحيل.
كما أن التردد الدولي، ورفض العديد من الدول استعادة مواطنيها، ساهم في إطالة أمد الأزمة، وتحويلها إلى حالة من "الاحتجاز غير المحدد"، التي تفتقر إلى أي أفق للحل.
تداعيات ما بعد الانهيار
مع تفكك منظومة الاحتجاز، يواجه المجتمع الدولي مجموعة من التحديات المعقدة. فآلاف الأشخاص الذين كانوا محتجزين أصبحوا اليوم خارج أي إطار رقابي واضح، سواء داخل سوريا أو خارجها.
بعض هؤلاء قد يحاول العودة إلى بلاده الأصلية، بينما قد يتجه آخرون إلى مناطق نزاع جديدة، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكل شبكات التنظيم على نطاق أوسع وأكثر انتشارًا.
وفي المقابل، فإن نقل آلاف المعتقلين إلى العراق يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات سابقة، حيث تحولت السجون إلى بيئة لتغذية التطرف بدلًا من القضاء عليه.
تهديد متغير لا ينتهي
يؤكد التقرير أن الخطر الذي يمثله تنظيم داعش لم ينتهِ، بل تغيرت طبيعته. فبدلًا من كيان مركزي يسيطر على أراضٍ، أصبح التهديد أكثر تشتتًا، وأصعب في التتبع، وأكثر قدرة على التكيف مع الظروف الجديدة.
كما أن انهيار منظومة الاحتجاز يمنح التنظيم مادة دعائية قوية، تعزز من روايته حول "الصمود" و"تحرير الأسرى"، ما قد يسهم في جذب عناصر جديدة.
الحاجة إلى استجابة دولية
في ختام تحليله، يشدد مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت على أن تجاهل هذه الأزمة أو محاولة تجاوزها دون معالجة حقيقية، قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن الدولي.
ويدعو إلى ضرورة تبني مقاربة دولية منسقة، تشمل إعادة توطين المحتجزين، ومحاكمتهم وفق أطر قانونية واضحة، إلى جانب برامج إعادة تأهيل ودمج، خاصة للأطفال.
بداية مرحلة أكثر خطورة
انهيار نظام احتجاز عناصر تنظيم داعش في شمال شرق سوريا لا يمثل نهاية لملف معقد، بل بداية مرحلة جديدة أكثر خطورة. فمع تشتت آلاف الأفراد، وغياب آليات واضحة للمحاسبة والمتابعة، يتحول التهديد من شكل تقليدي إلى خطر عالمي مفتوح.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن العالم أمام اختبار جديد في كيفية التعامل مع واحدة من أكثر القضايا الأمنية تعقيدًا في العصر الحديث، حيث لم يعد الخطر محصورًا في الجغرافيا، بل بات عابرًا للحدود، ومتعدد الأبعاد، ويستدعي تحركًا عاجلًا قبل فوات الأوان.