بالتزامن مع الحرب.. النظام الإيراني يشن حملة قمع جديدة
في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لضغوط متزايدة نتيجة الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، أطلقت السلطات الإيرانية حملة قمع واسعة ضد المعارضة الداخلية والمجتمع المدني، في محاولة لمنع أي انتفاضة محتملة.
وقالت جريدة "وول ستريت جورنال" في تقرير، إن الحملة شملت اعتقالات جماعية، وتهديدات بالموت، وتقييدًا شبه كامل للإنترنت، في خطوة تعكس هشاشة النظام الإيراني وسط الأزمة الراهنة.
تأتي هذه الإجراءات في سياق مواجهة قوات الأمن الإيرانية لهجمات مركزة على مقارها ومراكز قيادتها، والتي استهدفت كل من الشرطة، الحرس الثوري، وجماعة البسيج شبه العسكرية. وتفيد التقارير بأن الهجمات الجوية أدت إلى دمار كبير في المقرات والمراكز القيادية، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تعزيز قبضتها على الشوارع بالاعتماد على عناصر مدنية مسلحة، غالبًا بملابس مدنية ووجوه مغطاة، والقيام بدوريات مستمرة لترويع المواطنين، خاصة خلال الليل.
منذ بداية الحرب، تم اعتقال ما لا يقل عن 500 شخص، بتهم تتراوح بين التعاون مع جهات خارجية ونقل معلومات عن مواقع الضربات الجوية، وصولًا إلى المشاركة في الاحتجاجات أو دعم المعارضين السياسيين. ومن بين المعتقلين، تم احتجاز ناشطين وصحفيين، بالإضافة إلى أشخاص متهمين بأنهم من أنصار رضا بهلوي، ابن شاه إيران السابق، والذي يعتبر أبرز معارض للنظام من الخارج. وبحسب التقرير، فقد أسفرت المواجهات عن مقتل 11 من المشتبه بهم الذين قاوموا الشرطة، وفقًا لما ذكرته وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية.
كما تم اعتقال العديد من المدنيين بسبب التقاطهم صورًا أو مقاطع فيديو لمواقع تعرضت للغارات الجوية. ومن بين الحالات البارزة، تم احتجاز أم مع ابنها المراهق بعد اتهامهما بالاحتفال بمقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في إحدى الضربات الإسرائيلية، وفق ما أفادت جماعات حقوق الإنسان الإيرانية. وتشير هذه الحالات إلى أن النظام الإيراني يستخدم سياسة الإرهاب المباشر ضد أي شكل من أشكال المعارضة الشعبية.
أحد أهم جوانب الحملة هو التهديد المباشر للمحتجين المحتملين بالموت، سواء عبر وسائل الإعلام أو من خلال رسائل نصية تصل للمواطنين. وقد أرسلت قوات الحرس الثوري رسالة تحذر من أن أي احتجاج شعبي قد يواجه "ضربة أقوى من يناير 8"، في إشارة إلى القمع الدموي الذي أنهى احتجاجات واسعة في بداية العام، وأسفر عن مقتل نحو 7,000 متظاهر.
بالإضافة إلى القمع الميداني، ما يزال الإنترنت شبه مقطوع منذ بداية الحرب، ما يعيق التواصل ونقل المعلومات، ويجعل من الصعب على المواطنين تنظيم احتجاجات أو البقاء على اطلاع بالأحداث. وقد لاحقت السلطات الإيرانية مستخدمي أجهزة Starlink، التي تتيح تجاوز الرقابة الرسمية، واعتقلت أفرادًا متورطين في توزيع هذه الأجهزة. في المقابل، سمح لبعض مستخدمي الإنترنت الموالين للنظام بالوصول غير المقيد إلى الشبكة باستخدام ما يعرف بـ"بطاقات SIM بيضاء"، لتعزيز صوت النظام عالميًا.
وتشير التقييمات إلى أن هذا القمع يعكس تدهور الشرعية الداخلية للنظام الإيراني. فعلى الرغم من قدرة النظام على استخدام القوة القمعية، إلا أن كثافة القمع وحجمه تعكس خوف السلطات من فقدان السيطرة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والغضب الشعبي المتصاعد. ويؤكد خبراء مثل أوميد ميماريان من مجموعة DAWN البحثية أن "الحفاظ على السيطرة المستمرة يصبح أكثر صعوبة في زمن الحرب، لأن الضغوط الاقتصادية، والدمار المادي، والغضب الشعبي تتراكم معًا، وقد تنفجر في أي لحظة".
على الأرض، يشهد سكان طهران وغيرها من المدن الكبرى تواجدًا مكثفًا للقوات المسلحة، بما في ذلك عناصر الحرس الثوري والبسيج في الأماكن العامة وحتى أثناء شراء المستلزمات اليومية، ما يزيد من شعور المواطنين بالخوف وانعدام الأمان. وتؤكد مصادر محلية أن "العناصر المسلحة لا تتواجد لحماية الناس، بل لترويعهم"، في إشارة واضحة إلى سياسة الترهيب التي ينتهجها النظام.
في الختام، يظهر تقرير وول ستريت جورنال أن الحملة الإيرانية ضد المعارضة الداخلية ليست مجرد إجراء أمني مؤقت، بل استراتيجية شاملة للحفاظ على الحكم وسط حرب معقدة تواجه فيها إيران ضغوطًا خارجية هائلة، وتحديات داخلية متزايدة. وبينما يختبئ المحتجون ويراقب النظام تحركاتهم، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة هذا القمع على كبح غضب الشارع الإيراني في المستقبل القريب، خصوصًا إذا استمرت الضربات الجوية والضغوط الاقتصادية.