تقرير استخباراتي أميركي: الحرب وحدها لن تسقط النظام الإيراني

في وقت تتصاعد فيه العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، كشفت تقديرات استخباراتية أميركية حديثة عن تقييم مختلف لما قد تفضي إليه الحرب.

وبحسب تقرير جريدة «واشنطن بوست»، فإن أجهزة الاستخبارات الأميركية ترى أن العمل العسكري، حتى لو كان واسع النطاق، قد لا يؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني، نظراً لبنية السلطة المتماسكة في طهران وآليات استمرار الحكم داخل مؤسسات الدولة.

ويعكس هذا التقييم فجوة واضحة بين التوقعات السياسية لبعض المسؤولين في واشنطن، الذين يتحدثون عن تغيير النظام في إيران، وبين تقديرات المؤسسات الاستخباراتية التي تحذر من أن الحرب وحدها قد لا تكون كافية لإحداث انهيار سياسي في طهران.

تقييم استخباراتي قبل اندلاع الحرب

وفق ما أوردته «واشنطن بوست»، فإن التقرير الاستخباراتي أعدّه مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، وهو الجهة التي تنسق تقييمات أجهزة الاستخبارات الأميركية المختلفة. وقد جرى الانتهاء من إعداد التقرير قبل وقت قصير من بدء الهجوم العسكري الأميركي-الإسرائيلي على إيران.

ويشير التقرير إلى أن محللي الاستخبارات درسوا سيناريوهات متعددة تتعلق بتأثير الضربات العسكرية على النظام الإيراني، بما في ذلك احتمال استهداف القيادات العليا أو إضعاف البنية العسكرية للنظام. غير أن خلاصة التقييم كانت أن إسقاط النظام ليس نتيجة مرجحة حتى في حال تعرض إيران لهجوم عسكري واسع.

ويستند هذا الاستنتاج إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها الطبيعة المؤسسية للنظام الإيراني، الذي يمتلك شبكة من المؤسسات السياسية والدينية والعسكرية القادرة على ضمان استمرارية الحكم حتى في حال مقتل أو غياب قيادات بارزة.

بنية النظام وآليات استمرار السلطة

يؤكد التقرير أن أحد أهم أسباب صمود النظام الإيراني المحتمل يتمثل في وجود آليات واضحة لانتقال السلطة داخل النظام.

وبحسب ما نقلته «واشنطن بوست» عن التقييم الاستخباراتي، فإن مؤسسات مثل مجلس خبراء القيادة لديها دور أساسي في إدارة عملية اختيار أو تثبيت القيادة العليا في البلاد، ما يوفر إطاراً مؤسسياً يمنع حدوث فراغ في السلطة.

إلى جانب ذلك، يلعب الحرس الثوري الإيراني دوراً محورياً في حماية النظام وضمان استمراره، إذ يشكل أحد أعمدة السلطة العسكرية والسياسية في البلاد. وتشير التقديرات إلى أن هذه المؤسسة تمتلك نفوذاً واسعاً وقدرة كبيرة على الحفاظ على تماسك النظام في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

ويرى محللو الاستخبارات أن تداخل المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية داخل النظام الإيراني يمنحه قدرة على التكيف مع الأزمات، بما في ذلك احتمال فقدان بعض قياداته العليا نتيجة الحرب.

غياب مؤشرات على انهيار داخلي

رغم الضربات العسكرية والتوترات المتصاعدة، يشير التقرير إلى أنه لا توجد مؤشرات قوية على حدوث انتفاضة شعبية واسعة أو انقسامات داخلية كبيرة يمكن أن تؤدي إلى سقوط النظام.

فبحسب ما نقلته «واشنطن بوست»، فإن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم ترصد حتى الآن علامات على وجود حركة معارضة قادرة على استغلال الحرب لإسقاط السلطة أو تشكيل بديل سياسي منظم.

كما أن التقييم يرى أن الضغوط الخارجية، مثل القصف أو العمليات العسكرية، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى تعزيز التماسك الداخلي للنظام بدلاً من إضعافه، خاصة عندما يُنظر إلى الحرب باعتبارها تهديداً خارجياً للدولة.

شكوك حول سيناريو «تغيير النظام»

يتناقض هذا التقييم الاستخباراتي مع بعض التصريحات السياسية التي تحدثت عن إمكانية إحداث تغيير جذري في القيادة الإيرانية نتيجة الحرب.

ففي الوقت الذي تحدث فيه بعض المسؤولين الأميركيين عن إمكانية التأثير في مستقبل القيادة الإيرانية، ترى الأجهزة الاستخباراتية أن الواقع السياسي داخل إيران أكثر تعقيداً، وأن تغيير النظام يتطلب عوامل داخلية عميقة وليس مجرد ضغط عسكري خارجي.

ويشير التقرير إلى أن حتى في حال القضاء على بعض القيادات العليا للنظام، فإن المؤسسات القائمة قادرة على ملء الفراغ بسرعة، ما يقلل من احتمالات حدوث انهيار سياسي شامل.

تعقيدات مرحلة ما بعد القيادة

كما يناقش التقرير مسألة خلافة القيادة في إيران، والتي تُعد من أكثر القضايا حساسية داخل النظام السياسي الإيراني.

فبحسب ما أوردته «واشنطن بوست»، فإن احتمالات انتقال السلطة إلى شخصيات أخرى داخل النظام قد تواجه تحديات سياسية، بما في ذلك الخلافات داخل النخبة الحاكمة حول هوية القيادة المقبلة.

لكن رغم هذه الخلافات، يرى محللو الاستخبارات أن وجود آليات مؤسسية لتنظيم عملية الخلافة يجعل النظام قادراً على تجاوز هذه المرحلة دون انهيار كامل.

حدود القوة العسكرية في تغيير الأنظمة

يشير التقرير أيضاً إلى أن تجارب تاريخية سابقة أظهرت أن إسقاط الأنظمة السياسية عبر القوة العسكرية الخارجية غالباً ما يكون أكثر تعقيداً مما يُتوقع.

ففي حالات كثيرة، قد تؤدي الضربات العسكرية إلى إضعاف القدرات العسكرية للدولة المستهدفة، لكنها لا تضمن بالضرورة سقوط النظام السياسي أو ظهور بديل مستقر.

وفي الحالة الإيرانية تحديداً، يرى المحللون أن الأيديولوجية السياسية للنظام، إلى جانب قوة الأجهزة الأمنية والعسكرية، تشكل عوامل رئيسية في استمرار الحكم حتى في ظل ضغوط عسكرية كبيرة.

رسائل ضمنية لصناع القرار

يحمل التقرير، بحسب ما نقلته «واشنطن بوست», رسالة واضحة لصناع القرار في واشنطن مفادها أن الرهان على الحرب كوسيلة لإحداث تغيير سياسي سريع في إيران قد يكون غير واقعي.

فحتى في حال تحقيق نجاحات عسكرية على الأرض، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن النظام الإيراني سيسقط أو أن المعارضة ستتمكن من السيطرة على السلطة.

كما يشير التقييم إلى أن التحولات السياسية داخل إيران تعتمد بدرجة كبيرة على التطورات الداخلية، مثل الانقسامات داخل النخبة الحاكمة أو الحركات الشعبية الواسعة، وهي عوامل يصعب التنبؤ بها أو التحكم فيها من الخارج.

خلاصة التقييم الاستخباراتي

في النهاية، يخلص التقرير إلى أن النظام الإيراني يتمتع بقدر كبير من المرونة المؤسسية والسياسية، ما يجعله قادراً على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية.

وبينما قد تؤدي الحرب إلى إضعاف القدرات العسكرية لإيران أو إلحاق أضرار بالبنية التحتية، فإن إسقاط النظام الحاكم يتطلب ظروفاً أكثر تعقيداً من مجرد حملة عسكرية خارجية.

ويؤكد هذا التقييم، الذي نشرته جريدة «واشنطن بوست»، أن مستقبل النظام الإيراني لن يتحدد فقط بنتائج الحرب، بل يعتمد بدرجة أكبر على التوازنات الداخلية داخل إيران نفسها، وعلى قدرة النظام أو خصومه على استثمار التطورات السياسية والعسكرية في المرحلة المقبلة.

Next
Next

أين ضربت الولايات المتحدة.. دولة ديمقراطية؟!