تهديد للأمن الإقليمي.. أميركا تحذر من منح الجنسية السورية للمقاتلين الأجانب
حذّرت الولايات المتحدة من خطط محتملة لدمج مقاتلين أجانب في النسيج السوري عبر منحهم الجنسية، معتبرة أن هذه الخطوة – إن حدثت – تمثل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي وعرقلة لمسار الاستقرار في سوريا بعد الحرب.
وجاء التحذير في تقرير موسّع أصدره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حديثا، بعنوان "المواطنة السورية للمقاتلين الأجانب: الخطوط الحمراء الأميركية والتعقيدات"، حيث أكد أن أي خطوة من هذا النوع قد تُدخل البلاد في دائرة جديدة من التوترات، وتضعف ثقة المجتمع الدولي بالحكومة السورية المؤقتة.
مقترحات مثيرة للجدل
القضية تفجرت بعدما تقدمت مجموعات من المقاتلين الأجانب – عبر قنوات غير رسمية ومنصات التواصل – بطلبات للحصول على الجنسية السورية تقديراً لمشاركتهم في المعارك. وقد أثار الرد الملتبس للرئيس المؤقت أحمد الشراء تكهنات بأن السلطات قد تنظر في الأمر، وهو ما أثار قلقاً واسعاً في واشنطن والعواصم الغربية.
التقرير أشار إلى أن مثل هذه القرارات لا يمكن أن تُتخذ بمعزل عن الشفافية والرقابة، معتبراً أن غياب الوضوح سيمنح خصوم سوريا فرصة للتشكيك في نوايا السلطة الجديدة.
ثلاث فئات من المقاتلين
بحسب معهد واشنطن، ينقسم المقاتلون الأجانب في سوريا إلى ثلاث فئات رئيسية:
عناصر تنظيم "داعش" والفصائل الإرهابية: ويعتبر التقرير أن إدماجهم عبر منح الجنسية "خطاً أحمر" لا تقبل به الولايات المتحدة تحت أي ظرف.
العناصر المرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK): واشنطن ترى أن إدماج هذه الفئة يفتح الباب أمام توترات مباشرة مع تركيا، ويقوض أي فرص لاستقرار الحدود الشمالية.
مقاتلون أجانب قاتلوا في صفوف المعارضة غير المصنفة إرهابياً: هؤلاء قد يشكّلون حالة رمادية، إذ قد تنظر الحكومة في تجنيس بعضهم، لكن واشنطن تشدد على ضرورة وجود ضوابط مشددة تشمل التحقيق الأمني والمساءلة عن الانتهاكات.
الخطوط الحمراء الأميركية
التقرير شدّد على أن منح الجنسية لمقاتلين أجانب يجب أن يتم وفق معايير صارمة، محذراً من تجاوز عدة "خطوط حمراء"، أبرزها:
رفض مطلق لتجنيس عناصر داعش والجماعات الإرهابية الأخرى.
منع المجنسين الجدد من شغل مناصب سيادية أو أمنية حساسة.
إلزامية المراقبة الدولية والضمانات الأمنية لمنع استخدام سوريا كقاعدة لانطلاق عمليات خارجية.
ضمان العدالة الانتقالية وعدم القفز على حقوق الضحايا عبر منح امتيازات لمن تورطوا في جرائم حرب.
إشعار المجتمع الدولي بشفافية العملية لتفادي عزلة دبلوماسية أو صدام مع القوى الإقليمية.
أبعاد إقليمية مقلقة
يرى خبراء المعهد أن أي خطوة نحو تجنيس مقاتلين أجانب ستحمل انعكاسات سلبية واسعة. فهي من جهة تعطي رسالة خاطئة للمنظمات المتطرفة بأن القتال قد يُكافأ بالاندماج في المجتمع الجديد، ومن جهة أخرى تزرع بذور عدم الثقة بين سوريا وجيرانها الذين يخشون انتقال العناصر المتشددة عبر الحدود.
كما أن غياب المحاسبة قد يضعف مسار العدالة الانتقالية، ويثير حفيظة مكونات المجتمع السوري التي عانت من ويلات الحرب، خصوصاً إذا مُنح هؤلاء حقوقاً وامتيازات لم يحصل عليها حتى مواطنون سوريون نازحون أو لاجئون.
المواقف الدولية
التقرير ينسجم مع تحذيرات صدرت في يناير الماضي عن الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، إذ نقلت وكالة رويترز حينها أن القوى الغربية الثلاث أبلغت دمشق برفضها المطلق لأي توجه لتعيين مقاتلين أجانب في مواقع عسكرية وأمنية عليا، محذّرة من أن ذلك "سيقوض صورة سوريا الجديدة ويهدد استقرار المنطقة".
دعوة إلى الشفافية والمساءلة
في ختام تحليله، شدد معهد واشنطن على أن ملف تجنيس المقاتلين الأجانب لا يمكن أن يُدار بقرارات سياسية آنية أو صفقات غير معلنة، بل يجب أن يخضع لآليات صارمة تشمل: التحقق الأمني الفردي من كل حالة ووضع قيود واضحة على مشاركة المجنسين في مفاصل الدولة والتنسيق مع الدول الأصلية للمقاتلين لتسوية أوضاعهم القانونية وإشراك المجتمع الدولي في أي خطوة لضمان عدم انعكاسها سلباً على أمن المنطقة.
خلاصة
التقرير يضع أمام الحكومة السورية المؤقتة معادلة صعبة: فمنح الجنسية للمقاتلين الأجانب قد يبدو للبعض نوعاً من "رد الجميل"، لكنه في الواقع – وفق القراءة الأميركية – يمثل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي ويعرض البلاد لعزلة دولية.
ولذلك، ترى واشنطن أن أي تفكير في هذا المسار لا بد أن يُستبعد تماماً بالنسبة للفئات المتطرفة، وأن يخضع لمعايير صارمة في الحالات الأخرى. فالسلام في سوريا والمنطقة – وفق ما خلص إليه معهد واشنطن – لن يتحقق إذا ما جرى دمج مقاتلين أجانب دون محاسبة أو رقابة، بل سيتحول إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.