الإمارات تحب فلسطين.. أكثر من معنى وأكبر من موقف

بقلم: حميد قرمان

حين يشتدّ الليل على فلسطين، وتضيق سبل العيش تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، يبحث الفلسطيني غريزيًا عمّن يمدّ له يدًا صادقة؛ يدًا لا تقايض موقفًا، ولا تشترط ولاءً سياسيًا، ولا تنشد تصفيقًا في محفل حزبي. وفي هذا الفضاء المزدحم بالشعارات الفارغة.. والأيديولوجيات الهزيلة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا استثنائيًا في العطاء، نجح في النفاذ إلى وجدان الشعب الفلسطيني بعمق، لا عبر ترسانة إعلامية أو أجندات سياسية تحاول مصادرة الإرادة الوطنية الفلسطينية، بل من خلال بوابة الإنسانية المجرّدة.

تأتي فعالية "الإمارات تحب فلسطين" التي شهدتها دبي مؤخرًا لتجسّد هذا التلاحم في أبهى صوره؛ فلم تكن مجرد حدث بروتوكولي أو كرنفال عابر، بل كانت تجسيدًا حيًا لثقافة راسخة أرساها الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وسار على نهجها أبناؤه. لقد رأينا كيف تداعى الآلاف من المواطنين والمقيمين ليصيغوا لوحة إنسانية ملهمة، تزامنت مع نبض عاطفي عفوي نبع من قلب المعاناة في خان يونس، حيث هتف أهالي القطاع بشعار "فلسطين تحب الإمارات".

يتميز الحضور الإماراتي في تفاصيل الوجع الفلسطيني بكونه "حضورًا صامتًا ومؤثرًا". ففي غزة، لا يحتاج المواطن إلى تحليل سياسي ليدرك من يقف بجانبه؛ إذ يلمس ذلك في "مستشفى الإمارات الميداني" الذي يضمد جراحه، وقوافل "الفارس الشهم 3" التي تؤمّن قوت يومه، ومحطات تحلية المياه التي تروي عطش أطفاله. هذا هو "التوغل" بمعناه النبيل؛ نفوذ أخلاقي لا يحتاج إلى قنوات إخبارية لتسويقه، ولا إلى فصائل أو تيارات لفرض وجوده كأجندة سياسية.

ولا يمكن قراءة هذا العبور إلى قلوب الفلسطينيين دون التوقف عند ملحمة العطاء التي تجسّدها عملية "الفارس الشهم 3"؛ تلك الإغاثة الشاملة التي أصبحت شريان حياة لقطاع غزة. فلم تكن المساعدات مجرد أرقام في النشرات، بل طائرات وسفن وقوافل برية كسرت حصار الجوع والمرض. ومن المستشفى الميداني داخل القطاع، والمستشفى العائم في العريش، ومحطات تحلية المياه، إلى مخابز ومطابخ تكية العطاء؛ حفرت الإمارات اسمها في وعي المواطن الغزي. إن مساهمة الإمارات بنحو نصف المساعدات الإنسانية الواردة إلى القطاع هي الصك الأخلاقي والشرعية الإنسانية التي جعلت الفلسطيني يرى فيها سندًا حقيقيًا في أحلك الظروف وأقساها.

سعت قوى وأيديولوجيات عديدة على مدار عقود إلى اختطاف القرار الفلسطيني، أو مقايضة الدعم بالتبعية المذهبية والفكرية، فكانت النتيجة دائمًا مزيدًا من الانقسام والخذلان للشعب الأعزل. في المقابل، قدّمت الإمارات معادلة مغايرة؛ قوامها الدعم من أجل الإنسان والمستقبل فقط. ولهذا السبب، تجاوزت المساعدات الإماراتية الحواجز السياسية، لتصل مباشرة إلى بيوت الفلسطينيين ومخيماتهم وقلوبهم، بلغة يفهمها الجميع دون وسيط؛ لغة العمل والإغاثة والبناء.

حين يمتزج عبق الكوفية الفلسطينية.. بروح التسامح الإماراتية في إكسبو دبي، وحين تلهج ألسنة الغزيين بالدعاء لبلد العطاء، ندرك تمامًا أن الإمارات لم تأتِ لتشتري مواقف، بل لتبني جسورًا من الأخوّة المعمّدة بالدم والوعي المشترك. لقد امتلكت الإمارات قلوب الفلسطينيين لأنها خاطبت فيهم كرامتهم وإنسانيتهم، وأثبتت أن أصدق أنواع السياسة هي التي تنحاز إلى الإنسان، أولًا وأخيرًا.

Next
Next

"ذا نيويورك تايمز": السعودية على أعتاب مواجهة واسعة مع الحوثيين