"واشنطن بوست": غضب رسمي وشعبي بعد توريط حزب الله لبنان في الحرب
يقف لبنان على حافة كارثة غير مسبوقة، بعد أن أصبح مسرحًا مباشرًا للصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى.
تصعيد حزب الله ضد إسرائيل بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي أدى إلى حملة إسرائيلية واسعة من الضربات الجوية والعمليات البرية في جنوب لبنان وضواحي بيروت، ما أسفر عن مقتل أكثر من 630 شخصًا بينهم 91 طفلًا ونزوح نحو 800 ألف نسمة، وفق السلطات اللبنانية.
فوي تصريحات خاصة لـ"واشنطن بوست"، قال مستشار الرئيس اللبناني جوزيف عون: "الرئيس يائس ويسعى بكل الوسائل لوقف تدمير البلاد ووقف الهجمات"، ويعكس هذا التصريح حالة القلق العميقة التي تعيشها القيادة اللبنانية في ظل التهديدات المتصاعدة، مع تزايد الضغوط الدولية والداخلية على الحكومة.
وأضافت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، حنين السيد: "هناك حالة طوارئ وطنية… نحشد بسرعة… للأسف، مررنا بحالات طوارئ سابقة ولم ننهار، لكننا نواجه تحديات". وتشير هذه الكلمات إلى حجم الأزمة الإنسانية الضاغط على لبنان، حيث الأسر النازحة تجمعت في المدارس والشوارع والمرافق العامة، بينما تعيق الازدحامات المرورية وصول سيارات الإسعاف إلى الجرحى والمصابين.
من جانبها، أكدت إسرائيل أنها ماضية في حملتها ضد حزب الله، وأوضح السفير الإسرائيلي في فرنسا، جوشوا زركا، في تصريح خاص لـ"واشنطن بوست": "ما سينهي الحملة هو نزع سلاح حزب الله"، وتوضح هذه التصريحات أن إسرائيل تعتبر القضاء على قوة حزب الله شرطاً أساسياً لوقف العمليات العسكرية، وهو ما يعقد أي جهود لبنانية لإيجاد تسوية سريعة.
النازحون يعبرون عن مأساة مباشرة بفقدان منازلهم وممتلكاتهم. قالت نهيدة، وهي أم تبلغ من العمر 50 عامًا: "أعرف أننا لا نستطيع العودة إلى منزلنا… إنه مدمر بالكامل، ومن سيعيد بناءه؟" وأشار القس أنطونيوس فرح من بيروت: "إذا رحلنا، سنفقد أرضنا… نحن مرتبطون بأرضنا ونريد الحفاظ على منازلنا." هذه التصريحات تعكس الخطر النفسي والاجتماعي الكبير الذي تواجهه المجتمعات اللبنانية، والتي ترى في الأرض والممتلكات رابطًا أساسيًا لهويتها واستقرارها.
الحكومة اللبنانية، بقيادة الرئيس عون، تسعى إلى الضغط الدولي من خلال الدعوة إلى وقف إطلاق النار، ودعم الجيش اللبناني في محاولاته للسيطرة على ترسانة حزب الله، وفتح محادثات مباشرة مع إسرائيل تحت رعاية أمريكية أو أوروبية. لكن إسرائيل رفضت المبادرات، مؤكدة أن المرحلة الحالية مخصصة لتفكيك القوة العسكرية للحزب.
وفي إطار الوساطات الدولية، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للحد من التصعيد. فقد أرسل رئيس أركانه إلى بيروت، ونشر قطع بحرية في البحر المتوسط لدعم الدفاع عن قبرص وحلفاء الخليج ضد أي هجمات إيرانية، واقترح مشاركة السفن الفرنسية في تأمين طرق الشحن. كما حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من اجتياح جديد للبنان، مشيرًا إلى أن القوات الفرنسية يمكن أن تدعم الجيش اللبناني في نزع السلاح، وهو ما لا تستطيع الحكومة اللبنانية تنفيذه بمفردها أثناء القصف المستمر.
إلى جانب الدمار المادي، يشهد لبنان ضغطًا سياسيًا متصاعدًا، إذ تتعرض الحكومة لانتقادات داخلية وخارجية بسبب عدم قدرتها على فرض سلطة الدولة على حزب الله، الذي ظل لعقود يمثل قوة سياسية وعسكرية مؤثرة، خصوصًا في جنوب البلاد. وفق مهنّد حاج علي، الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط: "الحكومة اللبنانية حاولت فعليًا تقليص النفوذ الإيراني وتقويض سيطرة حزب الله، لكن رسالة إسرائيل الآن تبدو واضحة: ليس لديكم قوة عسكرية، ونحن نفرض إرادتنا. الاستسلام الكامل أو لا شيء."
في ظل هذه المعطيات، يعيش اللبنانيون مأساة مزدوجة: تهديد دائم للمدنيين من القصف الإسرائيلي، وواقع سياسي معقد يجعل من الصعب تحييد حزب الله عن الصراع. ومع استمرار النزوح والدمار، تبدو السلامة الإنسانية والسياسية بعيدة المنال، فيما يبقى الضغط الدولي العامل الوحيد القادر على توفير بعض الحماية للمدنيين.
لبنان اليوم يقف على مفترق طرق، بين تدهور إنساني متسارع، وصراع دولي معقد، وغضب شعبي ورسمي متنامٍ تجاه حزب الله الذي قاد البلاد إلى حرب مستمرة، في حين تظل "واشنطن بوست" مرجعًا رئيسيًا لرصد هذه الأزمة المستمرة على الأرض.