رامي نعيم يكتب لـ"وول ستريت جونال": مسيحيو لبنان يدفعون مجددا ثمن النفوذ الإيراني
مقال رامي نعيم مدير مكتب "جسور نيوز" في بيروت في جريدة "وول ستريت جورنال" الأميركية
يشاهد المسيحيون في لبنان بلدهم يحترق، مرة أخرى، فبعد الغارات الجوية الإسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت الأسبوع الماضي، صدرت أوامر بإخلاء أحياء كاملة، وازدحمت الطرق الخارجة من جنوب لبنان بالعائلات الفارّة.
وكانت الشرارة هذه المرة حدثًا اعتاد السكان رؤيته مرارًا، ففي الثاني من مارس، وبعد مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في ضربات أميركية - إسرائيلية بعدة أيام، أطلق «حزب الله» صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، ليعاني لبنان مجددا من التصعيد العسكري الناتج عن قرارات اتُّخذت خارج حدوده.
ويُعد لبنان الدولة العربية الوحيدة التي تأسست على نظام رسمي لتقاسم السلطة، يشغل فيه المسيحيون موقعًا لا يقتصر على كونهم أقلية يجب استيعابها، بل شركاء في تأسيس الدولة نفسها، غير أن هذا التوازن الدقيق يتعرض لضغوط منذ عقود، وقد شكّل هذا الضغط سمة ملازمة للبنان منذ أن عزّز «حزب الله» هيمنته بوصفه أنجح وكيل إقليمي لإيران، وهو ما بدأ عندما انضم إلى البرلمان اللبناني عام 1992، واليوم تؤثر هذه المنظمة - المصنفة إرهابية - في سياسات لبنان الأمنية والخارجية من خلال قوة عسكرية تعمل خارج سيطرة الدولة.
وكان المسيحيون في لبنان في وقت من الأوقات عنصرًا محوريًا في الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد، إلا أن موجات الهجرة المتواصلة - المدفوعة بانعدام الأمن والانهيار الاقتصادي والتهميش السياسي - قلّصت هذا الدور، فالمجتمع الذي كان يومًا ما واثقًا من موقعه كمكوّن مؤسس للدولة أصبح على نحو متزايد أكثر حذرًا وتفاعلية، وتراجع حضوره الديمغرافي.
لبنان ليس وحده في هذا المسار، بل مختلف مناطق النفوذ الإيراني شهدت المجتمعات المسيحية انهيارًا ديمغرافيًا، ففي العراق تراجع عدد المسيحيين من نحو مليون ونصف المليون عام 2003 إلى نحو 250 ألفًا اليوم، وفي سوريا يُقدَّر أن أكثر من نصف السكان المسيحيين غادروا البلاد منذ عام 2011، بعدما وجدوا أنفسهم عالقين بين عنف النظام، والميليشيات المدعومة من إيران، والفصائل المتطرفة، والقوى الأجنبية المتنافسة.
أما في لبنان فقد كان التآكل أبطأ لكنه عميق، فسيطرة «حزب الله» تعني أن قرارات الحرب والسلام لا تتخذها الدولة كونها كيان سيادي، وأن على الجميع التكيف مع حالة من عدم اليقين، وكانت الأقليات التي لا تملك ميليشيات خاصة بها مضطرة إلى التكيف مع ذلك بوتيرة أسرع.
ولهذا يأمل كثير من المسيحيين اللبنانيين في حدوث تغيير هيكلي في إيران، فالقوة العسكرية لـ«حزب الله»، وشبكاته المالية، وشرعيته الأيديولوجية، كلها مرتبطة ارتباطًا لا ينفصل بطهران، وأي تحول كبير داخل إيران من شأنه أن يضعف قوة التنظيم في لبنان.
وفي خطوة استثنائية، أفادت تقارير بأن مجلس الوزراء اللبناني تحرك في الثاني من مارس، عقب أحدث الهجمات عبر الحدود، لحظر الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله»، في إشارة إلى رغبة الدولة الملحة في استعادة حق اتخاذ القرار وتجنب كارثة وطنية.
لكن المشكلة تكمن في أن أي محاولة لتقييد «حزب الله» بقرار رسمي قد تنطوي على خطر توسيع التوترات الطائفية، خصوصًا إذا أدت إلى جرّ الجيش اللبناني إلى مواجهة مباشرة مع الحزب المسلح والمتجذر بقوة، فالبلاد لا تستطيع تحمّل جولة أخرى من العنف الداخلي تتداخل مع حرب إقليمية.
وعلى واشنطن أن تردّ بحزم، فقد فرض النفوذ الإقليمي لإيران في كثير من الأحيان نموذجًا للحكم وهو «تمكين الشركاء المسلحين من تجاوز سلطة الدولة وتشويه الاقتصادات وترهيب الحياة السياسية»، وعندما يترسخ هذا النموذج، تصبح المجتمعات التعددية أقل قابلية للحكم بل وللعيش أيضا.
ينبغي على «الكونغرس» الأميركي استهداف شبكات التمويل التي تبقي «حزب الله» قادرًا على العمل حتى في حالته الضعيفة. كما يتعين على إدارة الرئيس دونالد ترامب أن تدرك أن اللبنانيين العاديين - من أصحاب الفنادق إلى العائلات وأصحاب المشروعات الصغيرة - يشعرون بغضب شديد لأن «حزب الله» جرّ بلادهم إلى حرب ليست حربهم.
وفي الكنائس المنتشرة في أنحاء لبنان، باتت الصلوات من أجل السلام تحمل رجاءً آخر أيضًا «ألا يُستخدم لبنان ساحة معركة لمصلحة دول أخرى، وألا تتفوق الجماعات المسلحة على المؤسسات المنتخبة، وألا تُجبر العائلات على الاختيار بين البقاء في البلاد أو البقاء على قيد الحياة».