"المقعد بمليار دولار".. مجلس السلام في غزة يتحول لـ"صفقة سياسية"

منذ أن أعلن عنه الرئيس ترامب في خطته لغزة.. تطلع العالم بشغف إلى "مجلس السلام"، معلقا عليه آمال تحقيق الاستقرار في القطاع والإشراف على جهود الإعمار، إلا أن هذا التصور المثالي تعرض لـ"هزة قوية"، في ظل تقارير تتحدث عن ظاهرة "بيع الكراسي"، حيث تتحول المقاعد داخل المجلس من وسيلة لتحقيق السلام إلى سلعة تخضع للمساومة والصفقات.

وبحسب ما كشفته "نيويورك تايمز"، فإن بعض المقاعد داخل مجلس السلام لم تعد تُمنح بناءً على الوزن السياسي أو الدور الميداني أو الشرعية الشعبية، بل وفق منطق مالي وسياسي بحت.

التقرير أشار بوضوح إلى أن أحد الكراسي جرى تسعيره بشكل غير رسمي بما يقارب مليار دولار، في صورة دعم مالي مباشر أو التزامات اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد، مقابل ضمان المقعد وما يوفره من نفوذ وحصانة سياسية.

هذا الرقم الصادم لا يعكس مجرد حالة استثنائية، بل يكشف عن تحول خطير في فلسفة عمل مجالس السلام. فحين يصبح "سعر الكرسي" مليار دولار، فإننا لا نكون أمام مؤسسة تسعى لإنهاء النزاعات، بل أمام سوق سياسية مغلقة، تُدار بمنطق الربح والخسارة.

وتلفت "نيويورك تايمز" إلى أن هذه الصفقات نادراً ما تُوثق رسمياً، لكنها تمر عبر قنوات دبلوماسية معقدة، تشمل تعهدات بالتصويت، أو تسهيلات اقتصادية، أو تمويل برامج مرتبطة بدول راعية.

جوهر الأزمة لا يكمن فقط في المال، بل في النتائج السياسية المترتبة عليه. فالدول أو الكيانات القادرة على دفع مليار دولار لشراء كرسي، ليست بالضرورة الأكثر التزاماً بالسلام، بل غالباً الأكثر قدرة على توظيف المجلس لخدمة أجنداتها الخاصة. وهكذا يتحول المجلس من منصة لتقريب وجهات النظر إلى أداة لإعادة إنتاج موازين القوة القائمة.

وتشير "نيويورك تايمز" إلى أن هذا النمط من "شراء العضوية" يؤدي إلى إقصاء أطراف فاعلة على الأرض، لا تمتلك الموارد المالية الكافية، لكنها تمتلك التأثير الحقيقي في مسار النزاع. النتيجة هي مفاوضات شكلية، تجري بين أطراف غير قادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، في حين يبقى الفاعلون الحقيقيون خارج الطاولة.

التاريخ القريب لمسارات السلام يظهر أن العديد من الاتفاقيات فشلت ليس بسبب غياب الرعاية الدولية، بل بسبب خلل التمثيل. ومع دخول عامل المال بهذا الحجم، كما في تسعير الكرسي بمليار دولار، يصبح الخلل أكثر عمقاً. فالأعضاء الذين "اشتروا" مقاعدهم يكونون أسرى للصفقات التي أوصلتهم، وأكثر حرصاً على حماية استثماراتهم السياسية من تقديم تنازلات حقيقية.

وتوضح "نيويورك تايمز" أن هذه الممارسة تُضعف الثقة الشعبية في مفهوم السلام ذاته. فبالنسبة للمجتمعات المتضررة من النزاعات، يبدو المجلس وكأنه نادٍ للنخب، لا علاقة له بمعاناتهم اليومية. وحين يتسرب إلى الرأي العام أن كرسياً واحداً قد يكلّف مليار دولار، يصبح من الصعب إقناع الضحايا بأن قرارات المجلس تستند إلى العدالة أو الأخلاق.

كما أن "بيع الكراسي" بهذا الثمن الفلكي يخلق ديناميات داخلية مشوهة داخل المجلس. فالأعضاء الجدد يسعون إلى استرداد "كلفة الاستثمار" سياسياً، عبر التأثير في القرارات، أو تعطيل مسارات لا تخدم مصالح داعميهم. وفي كثير من الأحيان، يؤدي ذلك إلى صياغة بيانات فضفاضة، أو تأجيل قرارات حاسمة، أو تمرير حلول مؤقتة تضمن بقاء النزاع دون حله.

من زاوية أوسع، ترى "نيويورك تايمز" أن تسعير مقعد في مجلس السلام بمليار دولار يعكس أزمة أخلاقية في النظام الدولي، حيث تتراجع مبادئ الشفافية والتمثيل لصالح الواقعية السياسية والصفقات. فبدلاً من أن تكون مجالس السلام أدوات لتقليص نفوذ المال والسلاح، تصبح امتداداً لهما، وتفقد تدريجياً قدرتها على لعب دور الوسيط النزيه.

في المحصلة، فإن الحديث عن "بيع الكراسي" داخل مجلس السلام، خاصة مع تداول رقم 1 مليار دولار لشراء كرسي واحد، لا يعبّر عن خلل إداري عابر، بل عن تهديد بنيوي لفكرة السلام نفسها. فالسلام الذي يُدار بعقلية السوق، ويُسعّر بالمليارات، لا يمكن أن يكون عادلاً أو مستداماً. وكما خلصت "نيويورك تايمز"، فإن أي إصلاح حقيقي لمسارات السلام يبدأ بكسر هذا المنطق، وإعادة الاعتبار لمبدأ التمثيل الحقيقي، ووضع آليات صارمة تمنع تحويل الكراسي إلى سلعة، وتعيد للمجلس وظيفته الأساسية: صناعة السلام لا المتاجرة به.

Previous
Previous

الصحفي السوري إياد شربجي: من وقفوا مع نظام الأسد لا يحق لهم محاضرتنا بالديمقراطية

Next
Next

"وول ستريت جورنال": قلق أميركي من توسّيع الحكومة السورية عملياتها ضد الأكراد بدعم تركي