"وول ستريت جورنال": قلق أميركي من توسّيع الحكومة السورية عملياتها ضد الأكراد بدعم تركي
قالت "وول ستريت جورنال" إن مسؤولين أميركيين كبار أبدوا قلقهم من أن توسيع الحكومة السورية لعملياتها العسكرية ضد القوات الكردية الحليفة لواشنطن، بما يهدد بزعزعة استقرار سوريا ويعمّق الانقسام بين شريكين أمنيين أساسيين للولايات المتحدة يقاتلان تنظيم "داعش".
وقالت قيادة عمليات الجيش السوري، مساء الجمعة، إنها تستهدف قوات متحالفة مع "قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد في بلدة دير حافر، الواقعة شرق مدينة حلب، وجاء البيان بعد أيام دفعت فيها الحكومة بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى المنطقة.
من جانبها، قالت "قوات سوريا الديمقراطية" في بيان صدر بعد منتصف الليل بقليل بالتوقيت المحلي، إنها سحبت قواتها من المنطقة استجابة لدعوات صدرت عن قوى أجنبية تتوسط في النزاع.
ووفقاً لمسؤولين أميركيين، قدّرت وكالات الاستخبارات الأميركية أن الرئيس السوري أحمد الشرع يخطط لعملية متعددة المحاور، بدعم من الجيش التركي، ضد "قوات سوريا الديمقراطية" في الجزء الشرقي من محافظة حلب، وربما عبر نهر الفرات. مثل هذه العملية قد توسّع نطاق القتال ليشمل شمال شرقي سوريا، حيث تنتشر غالبية القوات الأميركية.
وأشارت الجريدة الأميركية إلى وصول قوات عسكرية أميركية، يوم الجمعة، إلى دير حافر للاجتماع مع شركاء سوريين، بعد أيام من اشتباكات دامية، بحسب الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية.
وقال هوكينز إن القوات الأميركية "ستقوم بتقييم مؤقت لما يجري على الأرض، والانخراط مع الشركاء السوريين، والمساعدة في تحقيق الاستقرار"، متابعا: "سوريا المتصالحة مع نفسها أمر بالغ الأهمية للحفاظ على السلام والاستقرار في عموم المنطقة".
وكانت قوات دمشق قد بدأت، خلال الأسبوع الماضي، قصف دير حافر، ودعت المدنيين إلى إخلاء المنطقة.
ويُنظر إلى الإقليم الكردي شبه الذاتي في شمال شرقي سوريا على أنه عقبة رئيسية أمام مساعي الشرع لترسيخ سيطرته على البلاد، عقب انهيار نظام الرئيس السابق بشار الأسد في عام 2024، أما تركيا، فلها منذ وقت طويل توجهات للتخلص من المقاتلين الأكراد المرتبطين بـ"حزب العمال الكردستاني" المعروف اختصاراً بـ"بي كي كي"، والذي تصنّفه كل من تركيا والولايات المتحدة تنظيماً إرهابياً.
وكان الشرع وزعيم "قوات سوريا الديمقراطية" قد وقّعا، في مارس الماضي، اتفاقاً يقضي بدمج "قسد" في الجيش السوري، غير أن الاتفاق افتقر إلى التفاصيل، وتعطلت المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى صيغة نهائية خلال الأشهر الأخيرة.
وأكدت "وول ستريت جورنال" أن اندلاع نزاع أوسع بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" التي يقودها الأكراد من شأنه أن يشكّل تحدياً كبيراً لإدارة الرئيس دونالد ترامب وللجيش الأميركي، اللذين شجعا "قسد" على الانضمام إلى الحكومة الجديدة في دمشق بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
ويعبّر مشرّعون ومسؤولون عسكريون أميركيون، على وجه الخصوص، عن قلقهم من أن يؤدي امتداد القتال إلى شمال شرقي سوريا إلى تخلي المقاتلين الأكراد عن مواقعهم التي يحرسون فيها مئات من سجناء تنظيم "الدولة الإسلامية" في مرافق منتشرة في أنحاء المنطقة، ما قد يفضي إلى فرار أعداد كبيرة منهم.
وقال أحد المسؤولين إن مسؤولي الاستخبارات الأميركية يناقشون حالياً نطاق العملية المحتملة. فبعضهم يعتقد أن الشرع يعتزم حصر القتال في محافظة حلب، بينما يرى آخرون أنه يخطط لعملية أوسع تشمل تحرك قوات من الغرب نحو نهر الفرات، ومن الجنوب انطلاقاً من الحدود مع تركيا. ويعتقد مسؤولو الاستخبارات العسكرية أن الشرع قد وافق بالفعل على العملية الأوسع، بحسب المسؤول ذاته.
في المقابل، قدّر مسؤولون غربيون آخرون يراقبون الوضع أن الهجوم سيبقى محدوداً في المنطقة المحيطة بدير حافر، جنوب نهر الفرات. إلا أن محللين أمنيين حذروا من أن أي قتال قد يمتد إلى مناطق أخرى على طول خطوط التماس.
وذكر أحد المسؤولين أن المبعوث الخاص للرئيس ترامب إلى سوريا، السفير توم باراك، والأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، يجرون اتصالات يومية مع الطرفين في محاولة لمنع اندلاع هجوم أوسع. كما أجرى نائب الرئيس جيه دي فانس اتصالاً بالرئيس الشرع لحثه على تسوية الخلافات مع الأكراد، وفقاً لشخص مطلع على فحوى المحادثة.
وقال المسؤول إن مسؤولين أميركيين هددوا بإعادة فرض عقوبات "قانون قيصر" على الحكومة السورية في حال مضت دمشق قدماً في الهجوم الأوسع.
وقال باراك، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الجمعة: "تظل الولايات المتحدة على اتصال وثيق مع جميع الأطراف في سوريا، وتعمل على مدار الساعة لخفض التوتر، ومنع التصعيد، والعودة إلى محادثات الاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية".
وكان باراك قد عمل على فرض وقف لإطلاق النار في جولة سابقة من القتال بين الحكومة و"قسد" في حلب، وأسفرت تلك المعركة عن انسحاب مقاتلي "قسد" من المدينة وتخليهم عن موطئ قدم صغير في إحدى أكبر المدن السورية.
وتعد دير حافر واحدة من آخر المناطق الواقعة جنوب نهر الفرات التي لا تزال تحت سيطرة القوات الكردية، والتي سيطرت على هذه الأراضي خلال حالة الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الأسد. وقد نشرت الحكومة هذا الأسبوع مقاطع فيديو تُظهر قافلة من الآليات العسكرية وهي تتجه نحو جبهة القتال.
وترتبط الولايات المتحدة بشراكة طويلة الأمد مع "قوات سوريا الديمقراطية" في إطار الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وقد شكّلت هذه الشراكة تحدياً جيوسياسياً لواشنطن، نظراً إلى أن "قسد" تضم في صفوفها عناصر من "حزب العمال الكردستاني".
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، يوم الخميس: "آمل أن تُحل القضايا عبر الحوار، لكن إذا فشل الحوار، أرى أن الحكومة السورية قد تنظر في استخدام القوة كخيار للحفاظ على الوحدة والنظام".
وتنتشر في سوريا مئات من الجنود الأميركيين في إطار الحرب على تنظيم "داعش"، ويتمركز معظمهم في شمال شرقي البلاد الخاضع لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية". ويشكّل وجودهم في البلاد رادعاً رئيسياً أمام اندلاع حرب أوسع مع القوات الحكومية.
وانضمت الحكومة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في نوفمبر/تشرين الثاني، في إطار شراكة آخذة في التشكل مع واشنطن. وكان ترامب قد أمر برفع العقوبات الأميركية عن سوريا، واستقبل الرئيس الشرع في البيت الأبيض، في مسعى لدعم استقرار البلاد بعد سقوط نظام الأسد.
غير أن مقاربة ترامب تجاه سوريا أثارت في السابق حالة من الاضطراب داخل البلاد. ففي عام 2019، أمر بسحب القوات الأميركية من سوريا، ما أفضى إلى عملية عسكرية تركية سيطرت خلالها أنقرة على شريط من الأراضي على طول حدودها مع سوريا، قبل أن يتراجع ترامب عن قراره بعد أسابيع.
وفي السياق ذاته، كتب السيناتور ليندسي غراهام (جمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية) على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم الخميس، أنه "يزداد قلقه" من أن دمشق تتعاون مع تركيا لمهاجمة الأكراد السوريين، مشيراً إلى أن المقاتلين الأكراد يحتجزون نحو 9 آلاف من سجناء تنظيم "الدولة الإسلامية" في أنحاء البلاد.
وقال غراهام: "أنا أدعم منح الحكومة السورية الجديدة فرصة عادلة، لكن إذا حدث تصعيد في الهجمات ضد الأكراد من قبل القوات السورية بدعم من تركيا، فإن ذلك سيخلق واقعاً جديداً كلياً". وأضاف: "إذا كان هناك من يعتقد أنني أو أيّاً من زملائي سنكون مرتاحين ـ في هذه المرحلة ـ لأن يتولى الجيش السوري أو تركيا حراسة سجناء داعش بدلاً من الأكراد، فهو مخطئ تماماً. اختاروا بحكمة".