"يديعوت أحرنوت": مفاوضات باريس تكشف الفجوة بين إسرائيل وحكومة الشرع

أبرزت مفاوضات باريس الأخيرة بين إسرائيل وسوريا، بوساطة أميركية، عمق الفجوة بين التطلعات الإسرائيلية وواقع السلطة السورية تحت قيادة أحمد الشرع، مما يعكس تعقيدات الوضع الأمني والسياسي في المنطقة، وفق تقرير لموقع "يديعوت أحرنوت".

ويُشير التقرير إلى أن إسرائيل لا تواجه ضغوطًا عاجلة لإبرام اتفاق أمني أو أي ترتيب دائم مع سوريا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الطبيعة غير المستقرة لحكم الشرع، الذي لا يسيطر فعليًا إلا على حوالي 60% من الأراضي السورية، و"يفتقر" إلى السيطرة الكافية على المجموعات المسلحة التي كانت ضمن صفوف المعارضة السابقة، وفي هيئات مثل "هيئة تحرير الشام"، منبها إلى أن تلك المجموعات "غير راضية عن توجهاته المعتدلة نسبيًا وسياساته المؤيدة للغرب، مما يعقد أي تفاهم محتمل مع الدولة الإسرائيلية".

في المقابل، تسعى الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى دفع عملية تفاوضية قد تؤدي إلى ترتيب أمني دائم أو اتفاق مؤقت، من أجل تحقيق استقرار نسبي في الشرق الأوسط، وكسب اعتراف دولي وجائزة نوبل للسلام. كما أن واشنطن تسعى لاستيعاب مصالح دول خليجية وتركيا، التي ترى في سوريا مجال نفوذ استراتيجي، وتسعى لتعزيز دور الشرع لضمان استقرار مشاريع إعادة الإعمار المدنية والعسكرية، بما فيها شركات تركية تعمل على إعادة بناء البنية التحتية وإعادة تسليح الجيش السوري.

الحفاظ على المكاسب الأمنية في سوريا

من منظور إسرائيلي، تشير "يديعوت أحرنوت" إلى أن إسرائيل تسعى أولًا للحفاظ على مكاسبها الأمنية من حرب "سيوف الحديد" في سوريا، وتعمل على ضمان تفوقها الاستراتيجي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 7 أكتوبر. وتشمل الأولويات الإسرائيلية منع أي هجوم مفاجئ من الأراضي السورية على مجتمعاتها العسكرية والمدنية في هضبة الجولان، ومراقبة قواعد مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى تهديدات محتملة من قوات إيرانية مدعومة من الشيعة، ومن حزب الله اللبناني، وحتى من الحوثيين عبر شبكات تسليح متصلة.

كما يركز الجانب الإسرائيلي على تفادي إنشاء أي مواقع مسلحة قرب الحدود مباشرة، بما في ذلك صواريخ قصيرة المدى وهاونات وطائرات مسيرة، إلى جانب منع التسلح المباشر لفصائل مسلحة قد تهدد المراكز المدنية والاستراتيجية في الجولان.

وفي هذا السياق، يضع تقرير "يديعوت أحرنوت" أهمية كبيرة للتمركزات الإسرائيلية الأمامية على جبل الشيخ والمنطقة الجنوبية قرب مثلث الحدود بين إسرائيل وسوريا والأردن، باعتبارها نقاطًا حيوية للرقابة الاستخباراتية والرد السريع في حال أي تهديد.

وفي حين يسعى الشرع لتأمين انسحاب إسرائيل من المنطقة العازلة وإعادة خطوط اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، يرفض تل أبيب العودة إلى هذه الخطوط القديمة، بحجة أنها لا تلبي تهديدات الهجمات المفاجئة الحديثة، ولا تأخذ بعين الاعتبار القدرات العسكرية المتقدمة التي تمتلكها الفصائل المسلحة اليوم، ويعي الشرع أن الدول الخليجية لن تستثمر في إعادة إعمار سوريا ما لم يسيطر على كامل الأراضي، وأن الوضع السياسي الهش يعيق استقرار بلاده.

اقتراح أميركي

على الجانب الأميركي، اقترحت واشنطن إنشاء لجنة تنسيق لتجنب التصادم، مشابهة للآلية المستخدمة سابقًا مع روسيا، لتكون مقرها الأردن، تشمل ممثلين عن إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، وتتيح تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتحذير المبكر من أي تهديد، إضافة إلى توفير إطار للحوار المدني حول إعادة الإعمار والبنية التحتية والتجارة، مع إمكانية توسيع النقاش لاحقًا إلى قضايا سياسية إذا تقدمت المفاوضات.

إلا أن "يديعوت أحرنوت" توضح أن إسرائيل تشدد على عدم مناقشة أي تفاصيل تنفيذية قبل الاتفاق على المبادئ الأساسية، والتي تشمل نزع السلاح الثقيل من جنوب سوريا، والحفاظ على حرية عمل القوات الإسرائيلية داخل سوريا، ومنع وجود تركي عسكري قد يحد من تحركات سلاح الجو الإسرائيلي، ويهدد مواقع الجولان. وبناءً على ذلك، فإن أي تفاهمات ستظل شكلية ما لم يتم تلبية هذه المطالب الأساسية، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين موقف إسرائيل وواقع السلطة السورية.

في نهاية المطاف، تعكس مفاوضات باريس، بحسب "يديعوت أحرنوت"، حجم التعقيد الذي يواجه أي تسوية في سوريا، سواء من منظور الأمن الإسرائيلي، أو من منظور تعزيز سلطة الشرع وتلبية طموحات الدول الإقليمية، بما في ذلك تركيا والسعودية وقطر والإمارات. كما يوضح التقرير أن إسرائيل مستعدة لتقديم بعض التنازلات فقط في حال تحقق التوازن بين مصالحها الأمنية ومطالب شركائها الدوليين، دون التفريط بمكاسبها الاستراتيجية على الأرض.

ويخلص التقرير إلى أن المفاوضات، رغم حضورها الإعلامي والسياسي، ما تزال محدودة النطاق ومرهونة بتحقيق شروط إسرائيل الأساسية، وهو ما يجعل أي اتفاق شامل معقدًا، ويؤكد استمرار الفجوة بين تطلعات تل أبيب وأهداف حكومة الشرع في دمشق.

Next
Next

“رويترز”: “القوات الشعبية: تطارد قيادات حماس في غزة