"انقلب السحر".. إيران تغرق في نفطها

بعدما أرادت إيران بغلق مضيق هرمز إحداث أزمة في سوق الطاقة العالمية، تجد نفسها اليوم أمام أزمة محلية حرجة حيث أن توقف تصدير الخام من موانئها نتيجة الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة، الذي أدى إلى خنق صادراتها وتكدس النفط بكميات ضخمة، ما يهدد بشلل عملية الإنتاج لديها تماما.

وكانت إيران تراهن على استخدام ورقة الطاقة للضغط على خصومها عبر تعطيل الملاحة في المضيق، إلا أن هذه الورقة تحولت إلى عبء داخلي يهدد بنيتها الإنتاجية.

وبحسب تقرير نشرته "وول ستريت جورنال"، فإن كميات النفط التي كانت تغادر الموانئ الإيرانية يوميًا تراجعت بشكل حاد منذ فرض الحصار، ما أدى إلى تراكم غير مسبوق في المخزونات. فبعد أن كانت الصادرات تقارب مليوني برميل يوميًا قبل الأزمة، انخفضت إلى مستويات متدنية، في وقت لم يعد فيه بالإمكان تصريف الفائض عبر القنوات التقليدية.

هذا التكدس أجبر السلطات الإيرانية على اللجوء إلى حلول استثنائية لتخزين الخام، شملت إعادة تشغيل خزانات قديمة ومتهالكة، واستخدام ناقلات بحرية كخزانات عائمة، بل وحتى تخزين النفط في مواقع غير مهيأة، فيما يُعرف بـ"التخزين العشوائي".

السيناريو الأخطر على إيران

هذه الإجراءات تعكس حجم الضغوط التي يواجهها قطاع الطاقة الإيراني، الذي يقترب من حدوده التشغيلية القصوى، ومع امتلاء مرافق التخزين تدريجيًا، يلوح في الأفق خطر أكبر يتمثل في اضطرار إيران إلى خفض الإنتاج أو حتى إيقاف بعض الآبار.

ويُعد هذا السيناريو بالغ الحساسية، إذ أن إغلاق الآبار، خاصة القديمة منها، قد يؤدي إلى أضرار دائمة تقلل من قدرتها الإنتاجية مستقبلاً، وهو ما يشكل تهديدًا طويل الأمد للاقتصاد الإيراني المعتمد بشكل كبير على عائدات النفط.

وتشير تقديرات شركات تحليل الطاقة إلى أن الإنتاج الإيراني قد ينخفض إلى ما يقارب النصف في حال استمرار الحصار، في ظل محدودية الخيارات المتاحة لتصريف الخام. كما أن القيود اللوجستية والتقنية تجعل من الصعب استغلال كامل السعة التخزينية المتاحة، بسبب اعتبارات تتعلق بالسلامة وكفاءة التشغيل.

محاولات إيرانية للالتفاف على الحصار

في المقابل، حاولت طهران الالتفاف على الحصار عبر البحث عن مسارات بديلة، من بينها نقل النفط بالسكك الحديدية إلى الصين، أحد أبرز المشترين للخام الإيراني. إلا أن هذه الوسيلة تظل مكلفة وبطيئة مقارنة بالشحن البحري، ولا يمكنها استيعاب الكميات الضخمة المنتجة يوميًا، ما يجعلها حلاً مؤقتًا أكثر من كونه بديلاً استراتيجيًا.

كما أن استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية، ساهم في رفع أسعار النفط في الأسواق الدولية، ما زاد من الضغوط على المستهلكين والشركات حول العالم. غير أن هذه الزيادة في الأسعار لم تنعكس إيجابًا على إيران، التي تجد نفسها عاجزة عن الاستفادة من ارتفاع الأسعار بسبب القيود المفروضة على صادراتها.

وترى تحليلات أن الأزمة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة إيران على الصمود في مواجهة الضغوط الاقتصادية، في وقت تتعثر فيه المفاوضات السياسية مع الولايات المتحدة. ووفق "وول ستريت جورنال"، فإن طهران تسعى إلى كسب الوقت عبر هذه الحلول المؤقتة، على أمل التوصل إلى تسوية تتيح لها استئناف صادراتها وتخفيف حدة الأزمة.

في المحصلة، تبدو إيران اليوم عالقة في مفارقة صعبة: فالأداة التي سعت من خلالها إلى التأثير في أسواق الطاقة العالمية تحولت إلى عامل ضغط داخلي يهدد استقرار قطاعها الحيوي. وبينما تتراكم براميل النفط داخل حدودها، يتزايد خطر الوصول إلى نقطة لا يمكن عندها تفادي قرارات مؤلمة، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الأزمة الراهنة، لتطال مستقبل الصناعة النفطية في البلاد بأكملها.

Previous
Previous

تقرير تركي: "أساطيل الأشباح" الروسية مستمرة في نقل القمح الأوكراني المسروق إلى سوريا

Next
Next

الفنانة المصرية سماح أنور: "حكاية نرجس" سلط الأضواء على مشكلات مجتمعية نعاني منها