بين قمع الداخل وعبث الخارج.. إيران وسياسة تصدير الأزمات

الناشط السياسي حسين عبد اللطيف / الأردن

ما جرى في إيران من مظاهرات شعبية ليس حدثًا عابرًا، ولا مؤامرة خارجية كما يحلو للإعلام الرسمي تصويره، بل هو انفجار طبيعي لتراكم طويل من القهر والفقر والظلم الاجتماعي، والتمييز الصارخ بين أقطاب السلطة السياسية والدينية وبين عامة الشعب.

ملايين الإيرانيين خرجوا لأنهم سُحقوا اقتصاديًا، وأُقصوا سياسيًا، وحُرموا من أبسط حقوقهم في العيش الكريم، بينما تنعم النخبة الحاكمة بثروات البلاد، وتُسخّر مقدّرات الدولة لمشاريع توسعية خارج الحدود.

وفي المقابل، لا يمكن فصل ما يحدث في غزة عن الدور الإيراني التخريبي في المنطقة، فإيران التي تدّعي دعم “المقاومة” لم تقدّم يومًا مشروعًا سياسيًا حقيقيًا يرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، بل اكتفت بدعم الميليشيات المسلحة، وزرع الفوضى، وتعميق الانقسام، سواء في غزة أو عبر محاولات العبث بالأمن في الضفة الغربية.

هذا الدعم لم يكن يومًا نابعًا من الحرص على فلسطين، بل من رغبة في استخدام القضية كورقة ضغط إقليمية في مفاوضاتها وصراعاتها مع الغرب.

وسياسيًا، يظهر الموقف الإيراني ضعيفًا ومكشوفًا.. خطاب ناري بلا نتائج، وشعارات كبيرة تخفي عجزًا دبلوماسيًا وفشلًا في تقديم أي حماية حقيقية للشعب الفلسطيني، بل إن تدخلاتها غالبًا ما منحت الاحتلال ذرائع إضافية لتصعيد عدوانه، بينما يدفع المدنيون الثمن وحدهم.

وإن أخطر ما في المشهد هو الآلة الإعلامية الإيرانية، التي تبيع الوهم، وتلمّع التدخلات، وتحرّف الحقائق، وتُغرق المتابع بسيل من الأكاذيب والشعارات الثورية الفارغة. ومن هنا، تقع مسؤولية كبيرة على المتابع والمحلل السياسي ألا ينجرّ وراء هذا الإعلام الموجّه، وأن يقرأ الأحداث بوعي، ويميز بين من يدّعي نصرة الشعوب ومن يتاجر بآلامها.

فالقضايا العادلة لا تُخدم بالميليشيات، ولا بالتحريض، ولا بتصدير الأزمات، بل بمواقف سياسية صادقة، واحترام إرادة الشعوب، والابتعاد عن تحويل معاناة الآخرين إلى أدوات في مشاريع إقليمية خبيثة.

وفي الختام، فإن إيران وأجنداتها لم تنظر يومًا إلى الشعوب العربية كشعوب لها حق في الحياة والكرامة، بل تعاملت معها كأدوات رخيصة في سوق المصالح الإقليمية.

واستخدمت دماء العرب، ومعاناة الفلسطينيين، وأوجاع المنطقة وقودًا لمفاوضاتها ورسائلها السياسية، ثم تركت الخراب خلفها وغادرت.

ومن طهران إلى غزة، يتكرر المشهد ذاته: شعارات عالية، وأيدٍ خفية، ونتائج كارثية يدفع ثمنها الأبرياء. وإن الوعي السياسي اليوم يفرض علينا أن نكشف هذا الاستغلال الفجّ، وأن نرفض تحويل قضايا الأمة إلى أوراق بيد مشروع لا يؤمن إلا بذاته، ولا يعيش إلا على أزمات الآخرين.

Previous
Previous

بسام السليمان: لم يصدر مرسوم بعد بتعيين محافظ للحسكة.. ولا يمكن إدارتها بعقلية الإقصاء

Next
Next

رجل دين شيعي: النظام الإيراني خرب منطقتنا.. واستخدم حزب الله ضد خصومه بالداخل والخارج