بين حق الناس في الاحتجاج وتهمة الخيانة.. لماذا أقف مع حراك 26 يونيو؟
الأردن - الكاتب الفلسطيني حسين عبداللطيف
في كل مرة يحاول فيها سكان غزة التعبير عن غضبهم أو المطالبة بحقوقهم الأساسية، يتكرر المشهد ذاته: لا يُسأل الناس عما يريدون، ولا تُناقش أسباب غضبهم أو دوافع احتجاجهم، بل يُدفع الجميع إلى مربع الاصطفاف الحاد، وكأن الإنسان لا يملك حق الاعتراض إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من القوى المتصارعة.
وفي فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد السؤال: ما الذي أوصل سكان غزة إلى هذه الحالة من الاحتقان والإحباط؟ كما لم يعد النقاش يدور حول حق المواطنين في المطالبة بحياة آمنة وكريمة، بل بات السؤال الوحيد المطروح: مع من تقف؟
فإذا أعلنت تأييدك لحراك 26 يونيو، واعتبرت أن من حق المواطنين الخروج للتعبير عن رفضهم للأوضاع السياسية والاقتصادية والإنسانية التي يعيشونها، انهالت عليك الاتهامات المعتادة: خائن، عميل، مأجور، تنفذ أجندات خارجية، وتتلقى تعليمات من أجهزة استخبارات أجنبية. وهي اتهامات باتت تُستخدم بصورة متكررة في مواجهة كل رأي مخالف، حتى فقدت قدرتها على الإقناع، وتحولت إلى وسيلة لإسكات النقاش بدلاً من خوضه.
وفي المقابل، إذا أعلنت تأييدك لسلطة الأمر الواقع في غزة أو بررت سياساتها وخياراتها، فإن قطاعاً واسعاً من الفلسطينيين ينظر إلى موقفك باعتباره انحيازاً لمن يملك السلطة والقوة والسلاح في مواجهة مجتمع أنهكته سنوات طويلة من الحصار والحروب والانقسام والأزمات المتلاحقة، ويرى في ذلك اصطفافاً مع السلطة ضد المواطنين الذين لا يملكون سوى أصواتهم وآمالهم في حياة طبيعية.
غير أن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب هي أن حقوق الشعوب لا تُمنح من أحد، ولا تُقاس بمدى رضا القوى السياسية عنها. فحق الإنسان في التعبير عن رأيه، والاحتجاج السلمي، والمطالبة بالتغيير، حق أصيل لا يسقط بسبب الاتهامات، ولا يفقد شرعيته لأن البعض يرفضه أو يخشاه.
نحن، كفلسطينيين وناشطين في مختلف أنحاء العالم، لا نبحث عن شهادة وطنية من أي فصيل أو تيار أو ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا ننتظر من أحد أن يمنحنا صكاً يثبت انتماءنا لهذا الشعب.
فانتماؤنا يتجسد في الوقوف إلى جانب حق الإنسان الفلسطيني في غزة في أن يعيش حياة تليق بكرامته، وأن يشعر بالأمان في بيته، وأن يتمكن من التعبير عن غضبه وآماله من دون أن يخشى التخوين أو القمع أو التشهير.
ومن هذا المنطلق، فإن تأييدنا لحراك 26 يونيو لا ينبع من عداء لأي طرف، بل من قناعة راسخة بأن أهل غزة هم أصحاب الحق الأول والأخير في تقرير مصيرهم، وتقييم تجربتهم السياسية، ومحاسبة من يحكمهم، والمطالبة بتغيير واقع يرونه ظالماً أو فاشلاً أو غير قادر على تلبية الحد الأدنى من تطلعاتهم الإنسانية والوطنية.
إن المجتمع الذي يُمنع فيه الناس من الاعتراض، أو يُتهم فيه كل محتج بالخيانة، يفقد إحدى أهم أدوات تصحيح مساره.
أما المجتمع الذي يحترم حق مواطنيه في الاحتجاج السلمي والتعبير الحر، فإنه يمنح نفسه فرصة دائمة للمراجعة والإصلاح.
وقد يختلف الناس حول حراك 26 يونيو، وقد تتباين المواقف السياسية بشأنه، لكن ما ينبغي ألا يكون محل خلاف هو أن سكان غزة يستحقون أن تُسمع أصواتهم، وأن تُناقش مطالبهم بجدية واحترام، وأن يُعاملوا بوصفهم مواطنين أصحاب حقوق، لا مجرد أطراف في معركة التخوين المتبادلة.
وفي النهاية، يبقى المبدأ الذي نؤمن به بسيطاً وواضحاً: نحن مع حق أهل غزة في أن يتحدثوا، وأن يحتجوا سلمياً، وأن يحلموا بحياة يسودها الأمن والكرامة والحرية، من دون خوف أو وصاية، ومن دون أن يُطلب منهم الصمت شرطاً لإثبات وطنيتهم.